على الرغم من أن الفكرة طغى عليها على الفور خوف أعمق، إلا أنها كانت موجودة بالفعل، مثل شرارة سقطت على قلب عطشان.
رفع كارلارنس رأسه ليقابل نظرة مورفيرا. ورغم أن جسده كان لا يزال يرتجف وعيناه مليئتان بالتوسل، إلا أنه صر على أسنانه وهز رأسه ببطء ولكن بحزم.
"لا أستطيع فعل ذلك يا أمي."
تحوّل الأمل في عيني الطفلة الصغيرة تدريجياً إلى خوف ويأس أعمق. نظرت إلى كايلارين والدموع تنهمر على وجهها، لكنها عضّت شفتها بقوة، خائفة من الصراخ.
حدقت موفيرا فيه لفترة طويلة، ثم ارتعشت زاوية فمها فجأة بشكل طفيف للغاية.
لم تكن تلك ابتسامة، بل تعبير بارد، يكاد يكون ساخراً.
"يبدو أن تلك الذكريات والمشاعر عديمة الفائدة قد أثرت عليك بالفعل."
مدت يدها، ورسمت أصابعها الشاحبة رمزاً بسيطاً في الهواء.
شعر كارالينز على الفور بقوة خفية تغزو جسده.
ليس الأمر ألماً، بل نوع من السيطرة المطلقة.
لم تعد أطرافه وعضلاته، بل حتى أصابعه، تحت سيطرته. ومثل دمية تُحركها الخيوط، نهض من الأرض بتيبس وبطء.
صرخ كارالينز في داخله، لكن لم يخرج أي صوت من فمه.
لم يكن بوسعه إلا أن يشاهد عاجزاً بينما كان "نفسه" يخطو خطوات، واحدة تلو الأخرى، نحو الفتاة الصغيرة المتكوّرة على الأرض.
تراجعت الفتاة الصغيرة في رعب، والتصق ظهرها بالجدار البارد، ولم يبقَ لها مكان تتراجع إليه.
راقبت "كالارنس" وهي تقترب بلا تعبير، وجسدها الصغير يرتجف مثل ورقة شجر في مهب الريح.
انحنت "كالارينس" ومدت يدها.
تلك اليد، التي كانت تقبل الحلوى التي أعطتها إياها ذات يوم، أصبحت الآن تحت سيطرة مورفيلا، بثبات وبقوة لا تنتمي إليها، تخنق رقبة الفتاة الصغيرة النحيلة والهشة.
صرخ وعي كارالينز وكافح بجنون، محاولاً استعادة السيطرة على جسده، لكن القيود التي تركتها والدته والتعاويذ التي كانت تلقيها في هذه اللحظة كانت بمثابة أقوى الأغلال، تقمع إرادته.
لم يكن بوسعه إلا أن يشعر به، يشعر بالنبض الخافت والسريع تحت الجلد الذي لمسته أصابعه.
اتسعت حدقتا عيني الطفلة الصغيرة، وحاولت يداها عبثاً فك اليد التي تخنق رقبتها، وركلت ساقيها بضعف.
ظلت عيناها مثبتة على كيلارينس، حيث اختفى الأمل الأولي، ليحل محله الألم والاختناق والارتباك الشديد.
"لماذا؟" بدت وكأنها تريد أن تسأل. "ألم نتفق... على أن نلتقي مجدداً غداً مساءً؟"
وبينما كانت كيلارينس "تشاهد" كل هذا، شعرت روحها وكأنها تتمزق إرباً.
سمع صوت طقطقة خافتة ومخيفة. شعر بقوة الحياة تحت كفه تتلاشى بسرعة، مثل لهيب شمعة في مهب الريح.
ثم توقف كل الصراع.
فقدت تلك العيون التي كانت مشرقة ومتألقة بريقها بالكامل، وأصبحت فارغة، تعكس ضوء القمر الدموي الملتوي والمتلوّي الذي يتسلل عبر الزجاج الملون على السقف.
استرخى الجسد الصغير وبقي بلا حراك.
أرخى "كالارينس" قبضته.
كما تراجع تأثير التعويذة في هذه اللحظة كما يتراجع المد والجزر.
بعد أن استعادت كارلارينس السيطرة على جسدها، شعرت وكأن جميع عظامها قد أزيلت، وسقطت فجأة على الأرض.
كان جسده يرتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وبدا أن أطراف أصابعه لا تزال تحتفظ بأثر من حرارة جسده التي تتلاشى تدريجياً.
انتشرت رائحة الدم النفاذة في الهواء، مما أثار حاسة الشم لديه.
نظر إلى الأسفل فرأى الطفلة الصغيرة مستلقية بصمت على الأرض، وعنقها ملتوي بزاوية غير طبيعية، وبقعة داكنة تنتشر تدريجياً تحتها.
تحركت نظراته بشكل آلي، فرأى يديه المرتجفتين، والبقعة الحمراء الصارخة على الأرض، ثم والدته، مورفيلا.
ظل وجه مورفيلا خالياً من التعابير، كما لو أنها لم تأكل سوى قطعة خبز صغيرة.
لم تُلقِ نظرة أخرى على الجثة الملقاة على الأرض، بل ثبتت نظرتها على وجه كارلارنس الشاحب الخالي من التعابير.
"تذكر هذا الشعور." ظل صوتها هادئاً.
"تذكروا الدماء التي تلطخت أيديكم. تذكروا أن أي تورط لا علاقة له بالمهمة هو نقطة ضعف يجب القضاء عليها."
"إن المشاعر الإنسانية، واللطف الإنساني، بما في ذلك ما يسمى بالتعاطف الذي ينشأ عنها، كلها أوهام زائفة وخطيرة. لن تؤدي إلا إلى إضعافكم وإبعادكم عن الطريق الذي رسمته لكم."
توقفت للحظة، كما لو كانت تمنح الوقت لنقش هذه الكلمات في روح كارلارنس.
"نظفها جيداً. غداً، ضاعف وقت التدريب."
بعد أن أنهت كلامها، استدارت موفيرا، وارتسمت على عباءتها الأرجوانية الداكنة ومضة باردة. فتحت الباب وخرجت، وأعادت في الوقت نفسه فرض القيود على الباب.
أغلق الباب خلفها في صمت.
لم يبقَ في الغرفة سوى كيلارين وجثة تبرد تدريجياً.
استمرت بقع ضوء القمر الدموي في الزحف ببطء عبر الأرض، مثل الدم الحي اللزج، حتى كادت تمتزج مع بقع الدم الحقيقية على الأرض.
انهار الكاراليون وسط الدماء وظلوا بلا حراك.
كان وجهه خالياً من أي تعبير، وعيناه تحدقان في الفراغ.
كان التأثير الهائل أشبه بتسونامي مدمر، جرف كل أفكاره ومشاعره، ولم يترك سوى خدر موحش بلا حياة.
بدا أن حلاوة الحلوى المتبقية لا تزال عالقة بأطراف أصابعي، ولا يزال السؤال الرقيق والعفوي "هل ستعودين غداً ليلاً؟" يتردد صداه في ذهني.
لكن الآن، لا يوجد غد.
لن يكون هناك المزيد.
لن يتكرر ذلك أبداً.
رائحة المخبز الدافئة، والأضواء الخافتة، وأغلفة الحلوى الخشنة، وتلك العيون الصافية... كل تلك الذكريات، الخفيفة كالريش، أصبحت الآن قيوداً ثقيلة ملطخة بالدماء، تضغط على روحه، ثقيلة لدرجة أنه بالكاد يستطيع التنفس.
تردد صدى صوت أمي عميقاً في روحي، بارداً ولكنه واضح.
نظر إلى يديه اللتين كانتا لا تزالان ترتجفان قليلاً.
هذه الأيدي قتلت للتو فتاة صغيرة أعطته الحلوى ورفقة قصيرة.
كانت الغرفة صامتة تماماً، باستثناء ضوء القمر الدموي الذي كان يتدفق بصمت.
بدأت شرارة التمرد تتأجج في قلب كيلارين. بدا وكأنه قد تغير أو نضج، لكن كيلارين لم يستطع الجزم بذلك.
ولأن والدته أرادته أن يكمل هذه المهمة المزعومة، فإنه لن يفعل ذلك أبداً.
قبل ذلك، كان عليه أن يؤدي دور الطفل المثالي، كما درّبته أمه دائمًا. ثم، في اللحظة التي كانت أمه تنتظرها بفارغ الصبر، سيحطم بنفسه المستقبل الذي كانت تأمله.
لم يكره كارالينز سلالته الشيطانية قط بهذا القدر.
الحلاوة المتبقية على أطراف أصابعه والانعكاس الفارغ الأخير في عيني الفتاة الصغيرة، ممزوجة ببقع الدم الحمراء الداكنة على الأرض، احترقت مراراً وتكراراً في أعماق روحه.
لولا الدم الذي يجري في عروقي، هبة من الجحيم، لولا أنني رُبّيت كسلاح، كخطاف دقيق...
ربما... يمكن أن يكون مثل ذلك الطفل، الذي يتقاسم حلوى خشنة تحت ضوء القمر الدموي، ويناقش وعدًا بسيطًا ولكنه باهظ تقريبًا مثل: "هل ستعود غدًا ليلًا؟"