مركز التدريب
كان الضوء خافتاً في القاعة الضخمة، يتسلل من خلال فتحات ضيقة في السقف العالي، كخيوط فضية ترسم أشكالاً غامضة على الأرضية الخرسانية. الجدران كانت مغطاة بآثار المعارك السابقة: شقوق عميقة، حفر متآكلة، وبقع داكنة لا تريد أن تتلاشى.
في وسط هذه القاعة، كان سون مرمياً على الأرض.
جسده كان منهكاً، ووجهه مغطى بالغبار والدماء الجافة. تنفسه كان ثقيلاً، بطيئاً، كمن يكافح للبقاء واعياً.
أمامه، على بعد خطوات قليلة، كان جيغو جالساً على كرسي خشبي بسيط.
كانت يداه مشبوكتان أمامه، وعيناه الثاقبتان مثبتتان على سون، تراقبان كل نبضة، كل تنفس، كل حركة خفيفة.
"أين أنا...؟" همس سون، وصوته كان مبحوحاً كالحصى.
"أه..." توقف، وشعر بألم حاد في رأسه. "رأسي يؤلمني..."
تذكر.
لكمة جيغو.
ثم...
لا شيء.
رفع رأسه ببطء، وواجه نظرة جيغو الباردة.
تذكر كل شيء.
الاستهزاء.
السخرية.
الاحتقار.
"أيها الحقير..." همس سون، وصوته أصبح أكثر حدة. "كيف تجرؤ على فعل هذا بي؟"
"أخيراً نهضت..." قال جيغو، ونبرته كانت ساخرة. "أيها الضعيف."
نهض سون ببطء، وجسده يئن من الألم.
"أين أنا؟" سأل، وعيناه تمسحان المكان.
"لن أجيب على أي سؤال." قال جيغو، ونبرته أصبحت أكثر برودة. "فقط سأعطيك احتمالين، وأنت تختار بينهما."
"ماذا تقول؟" قال سون، وعيناه تضيقان.
لكن جيغو أكمل، وكأنه لم يسمعه:
"تم تعيين فرقتك في مهمة."
"غداً، سيتوجهون إلى العمل."
"اختر..." توقف، ونظر إلى سون بعينين حادتين. "إما أن تسيطر على مانتك من هنا إلى صباح الغد، وتغادر هذا المكان..."
"أو..." توقف، وابتسم ابتسامة باردة. "تموت هنا."
"كيف تجرؤ على توجيه..."
تحرك جيغو.
لم يرَ سون الحركة. لم يشعر بها. كانت كالبرق، كالظل، كشيء لا يمكن إدراكه بالحواس العادية.
ضرب جيغو سون في بطنه
طار سون إلى الخلف كالدمية الممزقة، وارتطم بالجدار بقوة هائلة. شعر وكأن عموده الفقري تحطم إلى قطع صغيرة.
لكن جيغو لم يمنحه وقتاً للتنفس.
ظهر أمامه كالشبح، ووجه لكمة أخرى على وجهه. سمع سون صوت عظامه وهي تتكسر، وشعر بالدماء تتدفق من أنفه وفمه.
ثم لحق به، وركله بقوة.
تدحرج سون على الأرض، وجسده يصرخ من الألم.
"يا لك من ضعيف." قال جيغو، ونبرته كانت مليئة بالازدراء. "بهذا المستوى، لن تهزمني أبداً."
"أظهر قوتك..." توقف، ونظر إلى سون بعينين متحديتين. "أيها الأحمق."
وقف سون.
كان جسده يرتجف، ودماؤه تسيل على وجهه، لكن عينيه كانتا تحترقان بغضب لم يشعر به من قبل
انفجرت هالته.
لم تكن كالمعتاد.
كانت زرقاء كثيفة، كالمحيط الهائج، تغطي المكان كله. المانا تدفقت من جسده كالشلال المتدفق، واهتزت الأرضية تحت قدميه.
انطلق نحو جيغو كالصاروخ.
لكن جيغو كان أسرع.
ظهر أمامه، ووجه له لكمة في بطنه.
لكن سون لم يتأثر.
ابتسم جيغو ابتسامة خفيفة، ثم ركله بقوة مضاعفة.
اصطدم سون بالسقف، وارتطمت جسده بالخرسانة الصلبة، ثم سقط على الأرض كالصخرة.
"إذاً..." قال جيغو، ونظر إلى سون بعينين تقديران. "مهارة التكيف."
"استطعت التكيف مع لكمة لأنك أخذت ضررها سابقاً..."
"هذا جيد."
"لم أشعر أنك استعملت مهارتك..." توقف، وأضاف بنبرة أكثر تحليلاً: "أظن أن التكيف يتفعل تلقائياً."
"لكن..." توقف، ورفع إصبعه. "أيها الضعيف..."
"أنت تواجه خصماً أعلى مما تتصور."
"لقد خفضت قوتي عمداً."
"لأرفعها تدريجياً..." ابتسم. "كي لا تتكيف معها."
انطلق سون مرة أخرى.
هذه المرة، ظهر خلف جيغو.
لكن جيغو قفز إلى الأعلى، وهبط على سون بكلتا قدميه.
انفجرت الأرضية تحت وطأة الضربة، وتطايرت قطع الخرسانة في كل اتجاه.
لكن سون قاوم.
مسك قدمي جيغو بيديه، وضغط عليهما بقوة.
لكن جيغو أدار جسده في الهواء، وتخلص من قبضة سون ببراعة، وابتعد عنه.
"ها..." قال جيغو، ونظر إلى سون بسخرية. "أيها الضعيف..."
"كيف تجرؤ على لمس قدميّ بتلك القوة الضعيفة؟"
"لديك كل تلك المانا..." أشار إلى هالة سون الزرقاء. "ولا تستطيع استعمالها في هجومك."
"إذاً..." توقف، وابتسم. "ما فائدتها؟"
نهض سون ببطء، ومسح الدم عن وجهه.
"سأقتلك." قال، وصوته كان هادئاً، لكنه كان يحمل ثقلاً لا يمكن تجاهله.
"تعال." قال جيغو، وفتح ذراعيه.
تحرك سون قليلاً.
لكن جيغو كان قد وصل إليه.
بدأ بتوجيه لكمات متتالية، عنيفة، قوية، من كل الاتجاهات.
كانت الضربات كالأمطار، كالسيول، كالموجات التي لا تتوقف.
سون كان يحاول الصد.
لكن الضربات كانت كثيرة جداً.
لكمة في وجهه.
لكمة في بطنه.
لكمة على جانبه.
لكن سون بدأ يتكيف.
بدأ يرى الضربات قبل أن تأتي.
بدأ جسده يتحرك دون أن يفكر.
صد لكمة.
صد أخرى.
صد الثالثة.
رفع جيغو مستوى قوته.
مسك سون من قدمه، وبدأ يدفعه على الحائط.
كان جسد سون يرتطم بالجدار بقوة، والشقوق تتسع في كل مكان.
لكن سون تكيف.
مسك الحائط بيديه، وأوقف الهجوم.
ثم وجه لكمة قوية نحو جيغو.
طار جيغو إلى الخلف، وارتطم بالأرض.
وقف، ومسح خدشاً خفيفاً على وجهه.
نظر إلى الدم على أصابعه، ثم إلى سون.
"جيد..." قال جيغو، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "هذه مهارة حقاً جيدة."
"رغم مستواك الضعيف..."
"إلا أنها تمكنك من التكيف مع هجمات الخصم."
"حتى لو كان يفوقك بأضعاف."
"لكن..." توقف، ونظر إلى سون بعينين حادتين. "لا فائدة من التكيف والدفاع..."
"بما أن هجومك ضعيف يا سون."
"يجب أن تستعمل تلك المانا..." أشار إلى هالة سون. "لزيادة ضرر هجومك."
كان سون يقطر دماً. عضامه بدأت تصدر صوتاً كالخشب المتشقق.
في داخله، كان يفكر بسرعة:
"ماذا أفعل؟"
"كل ضرباتي لا تؤثر عليه."
"كيف أعززها بالمانا؟"
"كيف..."
انطلق جيغو مرة أخرى.
لكن هذه المرة، قال كلمة غريبة:
"كيوشو."
بدأت هالته تشع منه.
بدأ سون يشعر بشيء غريب.
كانت مانته تنسحب من جسده.
كأن قوة مجهولة تمتصها، تسحبها من كل خلية، من كل عصب.
"ما هذا؟!" صرخ سون.
"تقنيتي..." قال جيغو، وهو يقترب. "تمتص المانا."
جسد سون بدأ ينهار.
حاول مقاومة السحب، ركز على قدميه، وحاول الثبات.
لكن جيغو كان فوقه.
لكمة قوية جداً.
"بومييييييييييل!"
انفجار هائل، حفر حفرة ضخمة في الأرضية.
لكن جيغو لم يتوقف.
وابل من الضربات المتتالية، بنفس القوة، على جسد سون.
انهار سون تماماً.
شعر وكأنه يغرق.
كان في محيط كبير، مظلم، بارد.
كان يسحب إلى الأسفل.
"لا أستطيع..." همس. "مجاراته..."
"إنه أقوى..."
"أقوى مني..."
"أشعر..." أغمض عينيه. "أن الماء غمرني..."
"هل سأموت هنا؟"
"لا فائدة..."
"لن أقاوم..."
لكن شيئاً تغير.
"أشعر..." همس، وصوته أصبح أكثر وضوحاً. "أن جسدي خف..."
"أشعر بكل نبضة من قلبي..."
"أشعر بسريان الدماء في عروقي..."
"أرى..." فتح عينيه.
"أرى تدفق الماء بوضوح تام..."
"إنه يدخل في جسدي..."
"هل بدأت أختنق؟"
"لا..." تنفس بعمق.
"الماء دخل إلى عروقي..."
"وبدأ يتوهج..."
"هل هذا..." توقف. "هل هذا مانتي؟"
"جسدي كله يمتص المانا..."
فتح عينيه.
لكمة قوية على ساق جيغو.
"بوميييييييييييييييييييييييييييييل!"
طار جيغو كالصاروخ.
ارتطم بالأرضية ثلاث مرات، ثم بالجدار بقوة هائلة.
وقف سون ببطء.
لم تعد هالته مبعثرة.
أصبحت منظمة حول جسده، كالدرع الزرقاء.
تغيرت ملامحه.
ابتسم.
"لنبدأ." قال، وصوته كان هادئاً، واثقاً.
نهض جيغو، وهو ينفض الغبار عنه.
ساقه كلها دماء.
"أنت جيد..." قال، ونظر إلى سون بعينين تقديران. "الآن، أرى أنك سيطرت على تلك المانا."
أخذ وضعية الاستعداد.
"لكن..." توقف، وابتسم. "لا تغتر بنفسك أيها الأحمق."
انطلق الاثنان في نفس الوقت.
تبادلا عشرات الضربات بنفس الكفاءة والقوة.
كانت قبضاتهما تتلاقى في الهواء، وتحدث موجات صدمة تهز القاعة بأكملها.
سون استطاع التكيف مع قوة جيغو الجسدية.
حتى أن مهارة جيغو التي تمتص المانا لم تعد تعمل عليه.
"سون..." قال جيغو، وهو يصد لكمة من سون. "أنت عدو طبيعي لمهارتي."
"وأنا أيضاً مثلك."
"نحن الاثنان في حالة موازية."
"مهارتك تستطيع التكيف مع هجماتي..."
"ومهارتي لا تعمل عليك."
"لأن لديك مانا لا نهائية..." قال، ونظره أصبح أكثر تحليلاً. "وهذا ما رأيته في نتيجة الفحص."
"كلما امتصصت منك، لن تنتهي المانا من جسدك."
"لكن..." توقف. "أنا مثلك."
"لن تنتهي مانتي..." ابتسم. "لأنني أمتص المانا وأدمجها مع نواتي، فتصبح ملكي."
"أظن أن القتال..." توقف، ونظر إلى سون بعينين متحديتين. "لن ينتهي."
وقف سون.
نظر إلى جيغو بعينين جديدتين.
"بل..." قال، ونبرته أصبحت أكثر ثقة. "أنا أتفوق عليك أيها العجوز."
"لأنه ليس لدي فقط التكيف..."
"لدي أيضاً الابتكار."
"وهو جزء منه."
"أي..." توقف، ونظر إلى يديه. "بالأحرى، لم استعمل الهجوم ."
"استعملت فقط الدفاع."
رفع رأسه، ونظر إلى جيغو بعينين تحترقان:
"والآن..."
"سأغير اللعب قليلاً."
أخرج جيغو مجموعة من السكاكين الصغيرة من جيبه.
كانت صغيرة الحجم، بطول الإصبع، لكنها كانت تلمع بضوء غامض.
أدارهم في حركة لولبية، ووجههم نحو سون.
لكن سون كان قد رفع يده.
ظهر باب أسود من هالته، أمامه مباشرة.
وباب أسود آخر خلف جيغو.
دخلت السكاكين من الباب الأول، وخرجت من الباب الثاني.
لكن جيغو لم يتحرك.
سقطت السكاكين قبل أن تلمسه.
"أتظن..." قال جيغو، ونبرته كانت ساخرة. "أنني فقط أمتص مانا الكائنات الحية؟"
"أنا أمتص كل شيء يمتلك مانا يا سون."
"فقط..." توقف، ونظر إلى سون. "أريد أن أسألك..."
"هل هذه مهارة مضادة للكمات التي سأوجهها لك؟"
"لست مطالباً بالإجابة." قال سون، ونبرته كانت باردة. "جرب بنفسك."
"خيبت ظني..." قال جيغو، وهز رأسه. "أيها الأحمق."
"ظننت أنك تجيد استعمال مهارة الابتكار جيداً."
"هذه المهارة ليست كما تتوقع."
"سأفسر لك..." قال، ونبرته أصبحت تعليمية. "لكي تفهم مهارتك جيداً."
"عملها هو امتصاص ضرر مهارة مقابلة..."
"وتحويل الضرر إلى معلومات معاكسة..."
"تنتقل من العضلات إلى العقل."
"فيبدأ العقل في تخيل مهارة معاكسة لها مباشرة."
"لكن..." توقف، ورفع إصبعه. "هذا لا يجدي في الكثير من القتالات."
"يجب أن لا تترك عقلك هو الذي يتخيل يا سون."
"يجب أن تحفز عقلك..."
"وتقدم له أنت المعلومات."
"يجب عليك حفظ كل مهارة موجودة في هذا العالم."
"هناك الآلاف..." توقف. "بل عشرات الآلاف."
"لكن يجب أن تعرف معظمها..."
"لأن هناك مهارات لن يستطيع عقلك تخيل شيء مضاد لها."
"لأنها ستكون معقدة أكثر من اللازم..."
"ولها العديد من الأساليب."
"ومهارتي..." توقف، ونظر إلى سون بعينين حادتين. "من هذا النوع."
"وأنا لم استعمل كل ما أملك منها."
"وأرى أنه ساقضي عليك..." توقف، وابتسم. "إن لم تكن لديك الكثير من المعلومات."
" كلما تدرس، وتعرف، وتستكشف أكثر..."
"كلما تأتيك أفكار وتخيلات مهارات أكثر."
"وكيف ذلك؟" سأل سون، وفضوله يتصاعد.
أظهر جيغو كتاباً.
كان قديماً، غلافه من الجلد الأسود، وحوافه متآكلة، وكأنه يعود إلى قرون مضت.
"من هذا الكتاب..." قال جيغو، ورمى الكتاب إلى سون. "ستتعلم."
"إنه يساوي ألف معركة يا سون."
"هذا الكتاب قيم جداً."
"لقد جمعت فيه كل مهارات الأعداء الذين واجهتهم فرقة الموتى."
"كلهم بالشرح."
أمسك سون الكتاب، ونظر إليه طويلاً.
"هل من بين صفحاته..." سأل، ونظر إلى جيغو. "شرح مهارتك؟"
"بالطبع لا." قال جيغو، وابتسم.
"إذاً..." قال سون، وعيناه تضيقان. "كيف سيساعدني على هزيمتك؟"
"لا أدري..." قال جيغو، ونظر إلى سون بعينين غامضتين. "ربما..."
"عندما تقرأ وتتعمق في عالم المهارات..."
"ستجد حلاً ما."
"لكن..." توقف، ونظر إلى ساعته. "لديك سبع ساعات فقط."
"سآتي عند ذلك الوقت..." قال، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "وسأقاتلك."
"لكن هذه المرة..."
"سيكون هدفي قتلك."
"أما..." توقف، ونظر إلى سون بعينين باردتين. "أن تنجح وتلتحق بفرقتك..."
"أو تموت."
"لماذا تفعل كل هذا؟" سأل سون، ونبرته كانت محتارة.
وقف جيغو عند الباب، ونظر إلى سون من فوق كتفه:
"لا يحق للخاسر أن يسأل."
"لا أجيب..." توقف، وابتسم. "إلا الأقوياء يا سون."
ثم خرج، وأغلق الباب خلفه.
بقي سون وحيداً في القاعة الضخمة.
نظر إلى الكتاب في يده، ثم إلى الباب المغلق.
"إذاً..." همس، وعيناه تلمعان بتصميم جديد. "سأقتلك."
فتح الكتاب، وبدأ يقرأ.
يتبع...