لشبونة — إسبانيا
سوبر ماركت — حي ألفاما
رائحة الخبز الطازج والقهوة كانت تملأ المكان، ممتزجة برائحة الفواكه والخضروات الطازجة.
في ممر الخضروات، وقفت آني.
كانت امرأة في أواخر العشرينيات من عمرها، شعرها الطويل منسدلاً على كتفيها، وعيناها تلمعان بذكاء وحيوية. كانت ترتدي فستاناً صيفياً بسيطاً، بلون أزرق فاتح، وحذاءً أبيض مريحاً.
كانت تحمل سلة بقالة في يدها، والهاتف الآخر في يدها الأخرى. كانت تنظر إلى شاشة الهاتف بعينين حزينتين، وشفتاها تتحركان بكلمات غير مسموعة.
"لم أفهم..." تمتمت آني، ونبرتها كانت ممزوجة بالحزن والارتباك. "ما حل بأكاي؟"
"أصبح يتصرف معي ببرود تام..."
"هل هو في مشكلة ما؟"
"لا..." هزت رأسها. "أظن أنه هكذا منذ أيام عدة."
اصطدمت برجل فجأة.
سقطت السلة من يدها، وتناثرت الخضروات والفواكه على الأرض.
"آسف! آسف!" قال الرجل، وهرع ليلتقط ما سقط. "لم أقصد!"
"لا عليك." قالت آني، وانحنت لمساعدة. "أنا الملامة في ذلك."
"كنت أمشي ولم أنتبه."
لكن الرجل توقف.
بقي ينظر إلى آني.
عيناه كانتا ثابتتين، شاردة، كمن يرى شيئاً جميلاً لأول مرة.
شعرت آني بالحرج، ووقفت منتصبة:
"آسفة..." قالت، ونبرتها كانت خجولة. "هل هناك خطب ما؟"
"لا، لا..." قال الرجل، وهز رأسه بسرعة. "أنا آسف."
واصل التقاط ما سقط، ثم وقف مبتسماً:
"أنا اسمي تشاي."
"وأنتِ؟"
"آني..." قالت، وابتسمت ابتسامة خفيفة. "اسمي آني."
"أرجو المعذرة..." قال تشاي، ونبرته كانت صادقة. "لكن لم أرَ هذا الجمال منذ مدة."
"مع أني أمضيت الشهر هنا."
احمر وجه آني.
"إذاً..." قالت، ونبرتها أصبحت أكثر فضولاً. "أنت لست من لشبونة؟"
"هل أنت هنا للعمل؟"
"نعم." قال تشاي، وأومأ برأسه. "أنا أعمل."
"هل أرافقك إلى الخارج؟"
"بالطبع..." قالت آني، وابتسمت. "لا بأس."
خرجا من السوبر ماركت معاً، ووقفا في الشارع المشمس.
كانت أشجار النخيل تصطف على جانبي الطريق، والرياح البحرية الخفيفة كانت تعصف بشعر آني. الطيور كانت تغرد في السماء الزرقاء، ورائحة البحر كانت تملأ الهواء.
"إذاً..." قالت آني، ونظرت إلى تشاي بعينين فضوليتين. "ما رأيك في البلدة؟"
"الحقيقة..." قال تشاي، ونظر حوله. "لم تعجبني."
"هي جميلة جداً..." أضاف بسرعة. "لكن بالنسبة لشخص متعدد المواهب..."
"لم أجد مكاناً مناسباً لذلك."
"أشعر بالوحدة."
توقفت آني، ونظرت إليه بعينين متسعتين:
"هذا مذهل!" قالت، ونبرتها كانت متحمسة. "ما هي مواهبك؟"
"أنا أيضاً أجيد الكثير!"
"كل شيء على ما أظن." قال تشاي، وابتسم ابتسامة خجولة. "أحب التحديات، خاصة في اللعب."
"وأحب الشطرنج كثيراً."
"أيضاً..." أضاف، وعيناه تلمعان. "أحب الرياضة بكل أنواعها."
"أنت حقاً مدهش!" قالت آني، وشعرت بالحماس يتصاعد في صدرها. "أنا مثلك تماماً!"
"أريد فعل الكثير من الأشياء وتعلم الكثير..."
"لكن الأصدقاء هنا..." توقفت، وهزت رأسها بحسرة. "معظمهم بخلاء ونوّام."
"إذاً..." قال تشاي، ونظر إليها بعينين صادقتين. "ما رأيك أن نتواصل في هذه الأيام؟"
"قبل أن أعود إلى وطني."
"نعبئ أوقات فراغنا معاً."
"أنا أعشق التحديات."
"إذاً..." قالت آني، وعيناها تلمعان. "من أين أنت؟"
"من باريس." قال تشاي.
"عاصمة الأنوار!" صرخت آني، وصفقت بيديها. "إنها الأجمل في أوروبا كلها!"
"أنا أعشق باريس كثيراً..."
"أتمنى زيارتها يوماً."
"لكن..." قال تشاي، ونظر إليها بعينين دافئتين. "أنا لم أعد أحب تلك البلدة."
"بعد الآن..." توقف، وابتسم. "أصبحت لشبونة الأفضل."
احمر وجه آني مجدداً، وخفضت رأسها خجلاً.
"إذاً..." قالت بصوت خافت. "أين تسكن؟"
"في الحي المجاور للسوبر ماركت." قال تشاي، وأشار بيده إلى الخلف. "الحقيقة..."
"لا أعرف اسمه."
ضحكت آني ضحكة خفيفة، جميلة، كصوت الجرس في يوم عاصف.
"هذا مضحك!" قالت. "تعيش في حي ولا تعرف اسمه؟"
"أنا سيء في التذكر." قال تشاي، وهز رأسه باستحياء. "
بدأت تمشي، وتشاي بجانبها.
كانت الشمس تغرب ببطء، تلقي بظلالها الذهبية على المباني القديمة. الجدران كانت مطلية بألوان دافئة: الأصفر، البرتقالي، الأحمر. الزهور كانت تتسلق على الشرفات، والرياح كانت تحمل معها رائحة البحر والياسمين.
"أخبرني..." قالت آني، ونظرت إلى تشاي بفضول. "ما هو عملك؟"
"أنا..." تردد تشاي للحظة. "أنا تاجر."
"تاجر؟" كررت آني، وعيناها تضيقان بفضول. "ماذا تبيع؟"
"أشياء مختلفة." قال تشاي، وابتسم. "تحف قديمة، قطع فنية، أحياناً..."
"أشياء نادرة."
"أوه!" قالت آني، وشعرت بالحماس يتصاعد. "هذا مثير!"
"أنا أحب الأشياء القديمة."
"لديها روح..." توقفت، ونظرت إلى أحد المباني القديمة. "كل شيء له قصة."
"أنتِ على حق." قال تشاي، ونظر إليها بإعجاب. "كل شيء له قصة."
"مثل هذه المدينة..." أشار إلى المباني من حولهما. "كل زاوية فيها تحكي قصة."
"بالضبط!" قالت آني، وشعرت بسعادة غريبة.
توقفت أمام مبنى قديم، جميل، واجهته مغطاة بالبلاط الأزرق التقليدي.
"هذا هو منزلي." قالت آني، وأشارت إلى الباب الخشبي.
"جميل." قال تشاي، ونظر إلى المبنى بإعجاب. "حقاً جميل."
"شكراً." قالت آني، وابتسمت. "هل تريد..." ترددت. "الدخول لشرب كوب من الشاي؟"
"أنا..." بدأ تشاي، لكنه توقف.
"آسف..." قال، وهز رأسه. "لدي عمل اليوم."
"لكن..." أضاف بسرعة، ونظر إليها بعينين صادقتين. "هل يمكنني أخذ رقم هاتفك؟"
"لأتواصل معك غداً."
"بالطبع!" قالت آني، وأخرجت هاتفها.
تبادلا الأرقام، وتوقفا للحظة.
"إذاً..." قال تشاي، وابتسم. "إلى الغد."
"إلى الغد." قالت آني، وشعرت بقلبها ينبض بسرعة.
أدار تشاي ظهره، وبدأ يمشي.
وقف آني عند الباب، تنظر إليه وهو يبتعد بين أزقة لشبونة القديمة.
"من هذا الرجل؟" همست في نفسها، وابتسامة خفيفة على وجهها.
ثم دخلت المنزل، وأغلقت الباب خلفها.
يتبع...