منظمة مارينا — مكتب المدير
كان الضوء يتسلل من خلال النوافذ الزجاجية الكبيرة، خيوطاً ذهبية دافئة، ترسم أشكالاً متماوجة على الأرضية الرخامية. الغبار كان يطفو في الهواء كجزيئات من نجوم ميتة، راقصاً ببطء في وهج الظهيرة.
جلس أكاي على مكتبه الضخم، ويداه مشبوكتان أمامه، وعيناه ثابتتان على الأفق البعيد خارج النافذة.
كان يفكر.
"طق. طق. طق."
طرق خفيف على الباب.
لم يرد أكاي.
فتح الباب ببطء، ودخل رجل.
كان طويلاً، نحيفاً، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وشعره الأسود الممشط إلى الخلف يلمع تحت ضوء المصباح. عيناه كانتا ، عميقتين، كبحرين متجمدين.
تقدم الرجل بخطوات واثقة، وجلس على الكرسي أمام مكتب أكاي دون أن يستأذن.
أكاي لم يتحرك.
لم يتكلم.
ظل ينظر إلى الرجل ، يتتبعه، يقرأه.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تكلم الرجل، وصوته كان بارداً كالثلج:
"ما الذي حدث؟"
"كما توقعت يا جاك." قال أكاي، ونبرته كانت هادئة، كمن يخبر أمراً معلوماً.
"إذاً..." قال جاك، وعيناه تضيقان. "سون..."
"نعم." قال أكاي، وأومأ برأسه. "هو أيضاً يمتلك تلك اللعنة."
"ماذا ستفعل الآن؟" سأل جاك.
"لا..." قال أكاي، وهز رأسه. "لن أفعل شيئاً."
"الحظ الجيد في صفنا هذه المرة."
"لم أفهم." قال جاك، وعيناه تسألان.
"سون..." قال أكاي، ونبرته أصبحت أكثر وضوحاً. "اختار فرقة الموتى للانضمام إليها."
"أوه..." قال جاك، وعيناه اتسعتا قليلاً. "فهمت الآن."
"تلك الفرقة ضمن تلك المنطقة."
"وأيضاً..." قال أكاي، ووقف من كرسيه. "سمعت أن مونيان بدأ يتحرك."
"تعال."
وقف جاك، وتبعه.
بدأا يمشيان في ممر طويل، ضيق، مضاء بأضواء خافتة. الجدران كانت مطلية باللون الرمادي، والأرضية كانت من الرخام البارد. لا أحد كان في الممر، لا صوت، لا حركة.
ركبا المصعد ضغط الزر طابق (-5)
فقط خطواتهما تتردد كصدى
"ما هدفك بالضبط؟" سأل جاك، ونبرته كانت فضولية.
"لا عليك." قال أكاي، وهز رأسه. "لا تفكر أكثر."
"اترك كل شيء عليّ."
"إنها فقط خطة جانبية..." توقف، ثم أضاف: "لتسهيل الأمور. لا أكثر."
"إذاً..." قال جاك، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "ماذا عن البروفيسور؟"
"إنه سيأتي ببلاء حسن." قال أكاي، وابتسم ابتسامة خفيفة. "لكن ما زال الأمر مبكراً."
"لم نحصل سوى على مهارتين فقط."
المصعد انفتح
كانت منطقة شبه كبيرة جداً، كلها مخابر. الآلات كانت مصطفة في صفوف طويلة، والأحماض كانت تتدفق في أنابيب زجاجية شفافة، والأضواء الخضراء كانت تتلألأ في كل مكان.
أحواض ضخمة كانت تحتوي على سوائل خضراء كثيفة، فيها حيوانات مشوهة، كأنها نتاج تجارب فاشلة. تشريحات كانت معلقة على الجدران، بعضها بشري، والبعض الآخر غير بشري.
لكن لم يكن هناك أي عمال.
كان المكان فارغاً.
خرج رجل من خلف أحد الأحواض.
كان يرتدي مئزراً أبيض، ملطخاً ببقع غامضة اللون. شعره كان أشعثاً، وعيناه كانتا محمرتين، وكأنه لم ينام منذ أيام. لكن ابتسامته كانت واسعة، حماسية، كطفل وجد لعبة جديدة.
"أهلاً سيد أكاي!" قال الرجل، ونبرته كانت عالية، متحمسة.
"أهلاً بالبروفيسور." قال أكاي، وابتسم ابتسامة خفيفة. "كيف حالك؟"
"جيد، جيد!" قال البروفيسور، وهو يفرك يديه. "كل شيء تحت السيطرة إلى الآن."
"أرى أن وجهك مشرق..." قال جاك، ونظر إلى البروفيسور بعينين فضوليتين. "على غير العادة."
"جاك!" قال البروفيسور، وضحك. "لم أرَك منذ مدة!"
"أتينا..." قال أكاي، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "لنرى ذلك الأحمق."
"بالطبع!" قال البروفيسور، وتقدم إلى الأمام. "سأفتح الباب."
توجه أكاي وجاك إلى درج ينزل إلى الأسفل. كان الدرج حلزونياً، ضيقاً، مظلماً، ورائحة الرطوبة تملأ المكان.
وقفوا أمام باب حديدي ضخم، وعليه أقفال متعددة.
بدأ الباب يفتح ببطء، بطنين عميق، كفم وحش يفتح فكيه.
ظهر البروفيسور خلفهما.
كانت هناك زنزانة.
في وسطها، كان رجل معلقاً من يديه وقدميه، سلاسل حديدية ثقيلة تربطه بالسقف والأرض. جسده كان في حالة مأساوية، مغطى بالجروح والندبات والدماء المتخثرة.
رفع الرجل رأسه ببطء شديد.
فتح عينيه، وكانتا محمرتين، متعبتين، لكنهما كانتا تحملان كراهية لا توصف.
"إذاً..." قال الرجل، وصوته كان مبحوحاً كالحصى. "أنت..."
"لماذا أتيت؟"
"لأرى..." قال أكاي، ونبرته كانت باردة كالثلج. "فأر تجاربي."
"هل ما زال يعيش أكثر..." توقف، ونظر إلى الرجل بعينين باردتين. "أم لا."
ثم التفت إلى البروفيسور:
"ما هي النتيجة؟"
تردد البروفيسور، ونظر إلى الرجل المعلق ثم إلى أكاي:
"آسف يا أكاي..." قال، ونبرته كانت معتذرة. "لم أجربها عليه إلا مرة واحدة."
"وعندما رأيت أن الألم سيطر على جسده وأرهقه..."
"أزلتها."
"لماذا؟" سأل أكاي، ونبرته أصبحت أكثر حدة.
"أريد طريقة ناجحة مئة بالمئة..." قال البروفيسور، وعيناه تلمعان بحماس علمي. "بدون أضرار."
"جرب مرة أخرى." قال أكاي.
"هذا لن يحدث باكراً..." قال جاك، ونبرته كانت أكثر تفكيراً. "يجب أن ندرس أكثر مرحلة الاندماج."
"قلت لك..." قال أكاي، ونظر إلى البروفيسور بعينين حادتين. "جرب."
"حاضر!" قال البروفيسور، وتراجع خطوة.
"أيها السافل..." همس الرجل المعلق، ونبرته كانت مليئة بالكراهية. "أيها العاق..."
"أرجو..." قال أكاي، ونظر إلى الرجل بعينين باركتين. "أن تتحلوا بالصمت."
"ولا تصرخ كثيراً..." توقف. "أبي العزيز."
بصق الرجل على أكاي.
لكن أكاي لم يتحرك.
نظر إلى البروفيسور، وأومأ برأسه.
أخذ البروفيسور آلة دائرية، في قلبها كرة صغيرة صفراء تشع بضوء خافت. كانت الآلة تبدو ككائن حي، تنبض ببطء، وكأنها تتنفس.
"هذه..." قال جاك، وعيناه تضيقان. "هي مهارة قراءة الأفكار التي حصلنا عليها سابقاً."
"نعم." قال أكاي، ونبرته كانت هادئة.
وضع البروفيسور الآلة على جسد الرجل. خرج من جانبيها حبلان رفيعان، التفا حول صدر الرجل وتشبثا به كأنهما كائنات حية.
ضغط البروفيسور الزر.
بدأت الآلة تعمل.
"آآآآآآآآه!" صرخ الرجل.
كان الألم لا يوصف. عروقه بدأت تبرز، وجسده كله بدأ يرتجف، ودماء بدأت تخرج من فمه. هالة صفراء بدأت تشع من جسده كله، كأن روحه تحاول الهروب من الجسد.
"هل نتوقف؟" سأل جاك، ونبرته كانت مترددة.
نظر إليه أكاي ببرود.
كأنه يقول: "اصمت."
استمر الألم.
ثم...
توقف البروفيسور، وأزال الآلة من جسد الرجل.
"لم تعمل..." قال، ونبرته كانت محبطة. "كما توقعت."
"يجب أن أعمل عليها أكثر."
أخذ حقنة من جيبه، وحقنها في كتف الرجل. وكأن روحاً بدأت ترجع إليه، وهدأ جسده تدريجياً.
"حقنة شفاء." قال البروفيسور.
خرج الجميع من الغرفة، وأغلق البروفيسور الباب الحديدي خلفهم.
وقف أكاي في الممر، ونظر إلى جاك بعينين تفكران.
"الأمر..." قال أكاي، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "في غاية الصعوبة يا جاك."
"لا تتسرع." قال جاك، ووضع يده على كتف أكاي. "سوف تنجح عملية الاندماج."
"فقط..." توقف، ونظر إلى الباب المغلق. "ثق بذلك البروفيسور المجنون."
اهتز هاتف أكاي في جيبه.
أخرجه، ونظر إلى الشاشة.
تغير وجهه قليلاً.
ابتعد عن جاك، ورفع الهاتف إلى أذنه:
"أهلاً آني."
"أكاي!" صرخ صوت آني من الطرف الآخر. "كيف حالك؟"
"بخير." قال أكاي، ونبرته كانت هادئة.
"الجدة تريد أن تراك." قالت آني، ونبرتها أصبحت أكثر إلحاحاً. "متى ستأتي؟"
"ليس هذه الأيام..." قال أكاي، ونبرته كانت باردة. "لدي عمل."
"عمل! عمل! عمل!" صرخت آني. "دائماً عمل!"
أغلق أكاي الهاتف.
وقف ينظر إليه لثوانٍ، ثم وضعه في جيبه.
نظر إلى جاك، وقال:
"دعنا نعود."
يتبع...