كانت القاعة الكبرى لا تزال تغمرها بقايا هالة سون الزرقاء، تتلاشى ببطء كالضباب عند شروق الشمس. الضوء الأزرق كان يتراجع تدريجياً، تاركاً وراءه وهجاً خافتاً يضيء ملامح الحاضرين.
وقف جيغو أمام سون، ويده لا تزال ممدودة نحو صدره. كانت عيناه تلمعان بفضول علمي، كمن يدرس ظاهرة نادرة لم يرَ مثلها من قبل.
"أه..." همس جيغو، ونبرته كانت مزيجاً من الدهشة والإعجاب. "فعلاً... كمية كبيرة من المانا."
أنزل يده ببطء، ثم قال بصوت أكثر حدة:
"كيوشو."
بدأت هالة سون الزرقاء كلها تنسحب إليه كالماء الذي يتراجع إلى البحر. تدفقت المانا من كل اتجاه، تعود إلى نواة سون، وكأنها تطيع أمراً لا يمكن مخالفته.
اختفت كل المانا في لحظة.
سقط سون على ركبتيه، وجسده يرتجف من الإرهاق، وتنفسه سريع، متقطع، كمن ركض مسافة طويلة دون توقف.
لكن قبل أن يلمس الأرض، أمسكه كيوبي من ذراعه.
"هل أنت بخير؟" سأل كيوبي، ونبرته كانت مهتمة.
"أجل..." قال سون، وهو يحاول استعادة توازنه. "أنا بخير."
نظر ريجي إلى جيغو، وعيناه تسألان دون كلمات.
"إذاً؟" قال ريجي، ونبرته كانت فضولية.
نظر جيغو إلى يده التي امتصت هالة سون، ثم نظر إلى سون بعينين أكثر عمقاً.
"أيها القائد..." قال جيغو، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "هذا الفتى..."
انفتح باب القصر فجأة، واندفع حارس إلى الداخل .
"سيدي! سيدي!" صرخ الحارس، . "هناك أمر طارئ!"
"مجلس المهام يطلبك في الحال!"
توقف ريجي، ونظر إلى الحارس بعينين باركتين.
ثم قال، ونبرته كانت هادئة:
"سون..."
"عد إلى مقر فرقتك."
"سنتحدث لاحقاً."
ثم أدار ظهره، وخرج من القصر بسرعة، وتبعه كيوبي كالظل.
بقي جيغو واقفاً في مكانه، ينظر إلى سون بعينين لا تفارقانه.
نهض سون ببطء، وبدأ يمشي نحو الباب.
"الحمد لله..." فكر في نفسه. "لم يشعر بشيء."
"لكن..." توقف للحظة، ونظر إلى جيغو من زاوية عينه. "لماذا هذا العجوز ينظر إليّ هكذا؟"
"لا أعلم ما الذي عرفه عني..."
"لكن..." أدار رأسه إلى الأمام. "سأتجاهله الآن."
"سون!"
وقف مايكل أمامه، ووجهه يعبر عن القلق.
"كنت أنتظرك..." قال مايكل، ووضع يده على كتف سون. "هل أنت بخير الآن؟"
"نعم..." قال سون، وابتسم ابتسامة خفيفة. "في حالة جيدة."
"ماذا قال لك القائد؟" سأل مايكل، وعيناه تبحثان عن إجابة في وجه سون.
"أرادوا فحصي..." قال سون، وهز رأسه. "لكن جاءهم أمر طارئ، فلم يكتمل الفحص."
"هكذا إذاً..." قال مايكل، وبدا مرتاحاً قليلاً.
"ماذا سنفعل الآن..." سأل سون، ونظر حوله. "بعد أن تدمر المقر؟"
"لا عليك." قال مايكل، وابتسم. "لقد وفروا لنا مقراً آخر يا سون."
"أنت محظوظ حقاً."
"عادةً، إذا افتعل أحدهم شجاراً أو دمر شيئاً، يُعاقب تلقائياً."
"أما أنت..." قال، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "فقد كان حظك جيداً أن يهتم بك القائد بنفسه."
"ماذا عن التدريب؟" سأل سون، ونبرته كانت حازمة. "هل سنكمل؟"
"بالطبع سنكمل." قال مايكل، وربت على كتف سون. "لكن هذه المرة..."
"سنكون حذرين."
"سوف أعلمك أنا أيها الضعيف."
قطع صوت جيغو حوارهما، ونظر إلى سون بعينين باردتين، ساخرتين.
"كيف لك أن تكون في مستوى A وأنت لا تجيد السيطرة على ماناك؟"
"أنت أصبحت عائقاً على إحدى فرقنا."
"أظن أن السيد ريجي أخطأ بشرائك."
توقف سون، والتفت إلى جيغو بعينين تحترقان.
"ماذا تقول؟" قال، ونبرته كانت حادة. "لا أقبل بك أن تعلمني."
"ما هذا الذي تقوله؟"
تردد مايكل، وتقدم خطوة:
"سيد جيغو..." قال، ونبرته كانت مهذبة. "أرجو..."
لكن جيغو رفع يده، وأسكته.
"لم آتِ إلى هنا لأخذ رأيك." قال جيغو، ونظر إلى سون من علو. "أنا أمرك."
"لا ترَ أنك مميز أو أي شيء من هذا القبيل."
"أنت فقط بالحظ ولدت بتلك المانا الضخمة."
"ويا له من عار..." قال، ونبرته أصبحت أكثر سخرية. "أن تبقى لا تجيد السيطرة عليها."
غضب سون.
توجه نحو جيغو بقبضته المشدودة.
لكن...
في جزء من الثانية، سُحق سون على الأرض.
لم يرَ مايكل الضربة، ولم يفهم كيف حدثت.
"انه سريع..." همس مايكل في نفسه. "لم أرَ كيف لكمه."
وقف جيغو فوق سون، ونظر إليه بعينين باردتين:
"أيها الأحمق..." قال، ونبرته أصبحت أكثر برودة. "أتظن أنك ستضربني؟"
ثم أمسك بقدم سون، وسحبه بعيداً، وسون لا يستطيع الحراك.
"سيد..." بدأ مايكل.
لكن جيغو قطعه:
"لا تتدخل."
"وانقلع من هنا."
()()()())()()()()())()(()
مجلس المهام
وقف ريجي في منتصف الغرفة، ويداه مشبوكتان خلف ظهره، وعيناه تمسحان الغرفة ببطء.
أمامه، وقف مدير المجلس، رجل سمين، يرتدي بدلة رسمية، ووجهه يقطر عرقاً.
"نرجو المعذرة سيد ريجي..." قال المدير، ونبرته كانت متوترة. "لكن هناك أمر أريد أن أخبرك به."
"تفضل." قال ريجي، ونبرته كانت هادئة.
"نحن نتعرض إلى إبادة منذ أسبوع." قال المدير، ومسح جبينه بمنديل.
"سأشرح لك من البداية."
"لقد أتانا إنذار عن ظهور عصابة في منطقة الشرق."
"أرسلنا 3 فرق من مستوى C..." توقف، وابتلع ريقه. "لكنهم اختفوا جميعاً."
"حاولنا التحقيق أكثر، وأرسلنا حول المنطقة خمس فرق من مستوى B."
"أيضاً..." قال، وصوته أصبح أكثر خشونة. "نفس العملية. اختفوا جميعاً."
"لم يعد لهم أي أثر."
"هذا أمر غريب." قال ريجي، وعيناه تضيقان. "لكن الاستنتاج الوحيد..."
"إنهم تجار بشر."
"نعم." قال المدير، وأومأ برأسه. "هذا ما راودني أيضاً."
"كنت سأرسل فرقاً من مستوى A..." توقف. "لكن لم أجرؤ على ارتكاب خطوة أخرى دون استشارتك."
"نعم." قال ريجي، ورفع ذقنه. "أرسل فرق A ليحققوا في الأمر."
"أمر آخر سيدي..." قال المدير، ونبرته أصبحت أكثر إلحاحاً. "وهذا ما جعلني أستدعيك."
"ماذا؟" سأل ريجي.
"أيضاً..." قال المدير، ونظر إلى ريجي بعينين حادتين. "فرقة ميكا أبلغت عن نفس العملية في مناطقها."
"لقد اختفت العديد من فرقها."
"وهذا ما جعلني أفكر..." توقف، وترك كلماته تترسب. "أنه يمكن أن يكون عملية إبادة."
"تستهدف أفراد الفرق."
"وهذا ما دفعني لأشك..." قال المدير، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "أن العدو ليس تجار بشر."
"لنترك الأمر هكذا." قال ريجي، وهز رأسه. "لا نتسرع."
"سننتظر تقارير فرق A."
"ومن ثم..." توقف. "سأتخذ الإجراءات اللازمة."
"لكن سيدي..." بدأ المدير.
"ليس هناك أمر يدعو للخوف." قال ريجي، ونبرته كانت واثقة. "إنهم عصابة."
"سنقضي عليهم بسهولة."
"لا تهتم."
"أرجو المغفرة..." قال المدير، وخفض رأسه. "سأقوم بإرسال أي تطورات واردة إليك."
"لا." قال ريجي، ونظر إليه بعينين باركتين. "لا تزعجني."
"سأقوم أنا بسؤالك إذا تذكرت ذلك."
ثم أدار ظهره، وخرج من الغرفة.
بقي المدير ينظر إلى الباب المغلق، ووجهه يعبر عن الإحباط:
"هذا القائد..." همس في نفسه. "عديم الفائدة."
"أبداً لا يهتم بما يحل بفرقه."
ثم التفت إلى مساعده، وقال:
"أخبر فرق A-35، A-50، و A-54 بالمهمة."
يتبع...