وقف سون في منتصف القاعة الضخمة، وجسده مشدود، وعيناه تلمعان بتصميم. كان قميصه ملقى على الأرض، وصدره العاري يبرز عضلاته النحيفة لكن القوية.

أمامه، وقف مارك، وذراعاه متقاطعتان، ونظرته ثابتة، تدرس سون كالعالم الذي يدرس عينة نادرة.

"أولاً..." قال مارك، ونبرته كانت مهنية، جادة. "قبل أن نبدأ، أخبرني: في أي مرحلة أنت من صقل المانا؟"

تردد سون للحظة، ثم قال:

"لا أعلم بالتحديد..."

"لكن السيد تاي قال لي إنني في آخر مرحلة من تِنسِيْكِي."

"تنسيكي؟" كرر مارك، وعيناه تضيقان. "غريب..."

"أرى أن مانتك مستقرة في حالتك العادية، وهذا ما يؤكد كلامك."

"لكن..." توقف، ونظر إلى سون بعينين أكثر حدة. "عندما ارتفعت مانتك البارحة، رأيت أنها ليست مستقرة أبداً."

"كأنها كانت تتصارع مع شيء داخل نواتك."

"حسناً..." قال مارك، ونبرته أصبحت أكثر تركيزاً. "هل تستطيع أن تشعر بالمانا؟"

"نعم." قال سون، وأومأ برأسه. "أستطيع رؤيتها عندما يستعمل شخص ما مهارته."

"أصبحت قادراً على رؤية نواته في صدره، وكيفية توزع المانا عبر جسده."

"لكن..." قال مارك، وهز رأسه. "هذا لا يفيد مع خصوم أقوياء."

"يمكنهم إخفاء ماناهم، ومباغتتك وقت استعمال مهارتهم."

"بالأجدر بك أن تشعر بها، ولا تراها فقط."

"كيف؟" سأل سون، وفضوله يتصاعد.

خرجت هالة مارك من جسده، بيضاء كالثلج، تتلألأ كالنجوم في ليلة صافية. كانت تتحرك ببطء، كالسحابة التي تطفو فوق الجبال.

"سون..." قال مارك، ونبرته أصبحت أكثر هدوءاً. "هذه هي الهالة."

"وهي نتيجة كمية المانا التي تنتج في النواة."

"أو بالأحرى، هي رؤية المانا بطريقة ظاهرية."

"سوف تبدأ تدريباً على التحكم بالهالة."

"ستقف على قدم واحدة، وتأخذ وضعية اليوغا، لكن واقفاً."

"أغلق عينيك..."

أغمض سون عينيه.

"وتخيل هالتك وهي تتوزع حول جسدك."

"بهدوء تام."

"ابدأ."

بدأ سون ينفذ. وقف على قدم واحدة، ومد ذراعيه إلى الجانبين، وأغلق عينيه بإحكام.

"لا شيء..." همس، وصوته كان خافتاً. "ليس هناك شيء."

"تخيل..." قال مارك، ونبرته أصبحت أكثر نعومة. "أنك في مكان هادئ جداً."

"طبيعة... غابة... شاطئ..."

"مكان تشعر فيه بالسلام."

بدأ سون يتخيل غابة خضراء، وأشجاراً شاهقة، ونسيماً بارداً يمر بين الأغصان.

"بوووووووم!"

انفجر صوت من القاعة، كصاعقة في يوم مشمس.

فتح سون عينيه بسرعة، وهالته اختفت.

خرجت إلينا رأسها من الباب، وابتسامتها خجولة:

"آسفة على الإزعاج..." قالت، واختفت بسرعة.

ذهب مارك إلى الباب، وأغلقه بقوة، وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.

عاد إلى سون، الذي كان قد عاد إلى وضعيته، وعيناه مغمضتان.

"هذا أمر لن ينجح..." تمتم مارك في نفسه.

"سون..." قال، ونبرته أصبحت أكثر حدة. "هل تستطيع أن تخرج كل مانتك لديك، مثلما فعلت البارحة؟"

فتح سون عينيه، ونظر إلى مارك بدهشة:

"لا أظن ذلك..." قال، ونبرته مترددة. "البارحة غضبت."

"سوف أقوم بضخ كميات كبيرة من المانا في جسدك..." قال مارك، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "لأحفز نواتك."

"لكن..." توقف، ونظر إلى سون بعينين حذرتين. "هذا خطر عليك."

"إن لم تستطع التحكم في نواة المانا..."

"لماذا غيرت التمرين؟" سأل سون، وعيناه تضيقان.

"إذا بدأنا من الصفر..." قال مارك، ونبرته أصبحت أكثر هدوءاً. "قد نستغرق شهوراً لكي تستطيع إخراج مانتك بنفسك."

"لكن إذا أخرجت كل مانتك الآن..."

"في أسبوع، ستستطيع السيطرة عليها."

"ماذا يعني..." بدأ سون.

"نعم." قال مارك، وقطعه. "سأحرر نواة المانا لديك، وأجبرها على إطلاق كل المانا التي لديها."

"وحسب ما رأيته البارحة من كمية المانا لديك..."

"فإنك تستطيع السيطرة عليها في أسبوع كامل."

"حتى في نومك، يجب أن تصارع مانتك لكي تنظمها."

"سيكون أمراً مجهداً جداً..." قال سون، وشعر بثقله.

"لا تخف." قال مارك، وابتسم ابتسامة مطمئنة. "بالطبع لن أترك مانتك المبعثرة أسبوعاً كاملاً."

"فقط ليوم واحد، ثم أتدخل لأغلق النواة وأعيدها في اليوم التالي."

"بالطبع..." قال سون، وعيناه تلمعان بتصميم. "أنا موافق ومستعد لذلك."

تقدم مارك إلى سون، ومد يده نحو صدره.

بدأت هالة مارك تتجمع حول يده، بيضاء كثيفة، كالسحاب المتكثف.

وضع يده على صدر سون.

"توقف!" صرخ مايكل من خلفه. "لا تفعل!"

لكن مارك كان قد بدأ بالفعل.

فتحت نواة سون.

بدأت المانا تتدفق من كل خلية في جسده.

لم تكن تتدفق كالنهر، بل كالسيل الجارف، كالبركان الذي انفجر بعد قرون من الصمت.

"بوووووووووووووووووم!"

كل شيء انفجر حوله.

مارك طار إلى الخلف، وارتطم بالحائط بقوة، وسقط على الأرض.

السقف تدمر، والجدران تشققت، والأرضية انقلبت.

المقر كله اهتز.

وهالة سون غطت المكان كله.

لم تكن هالة عادية.

كانت زرقاء كالمحيط، وكثيفة كالظلام، وكأنها كيان حي يتنفس.

"أووووووووه!" صرخ سون، وعيناه تتسعان. "ماااااذا يحدث؟!"

"أشعر أن جسدي يتمزق!"

الأرضية انقلعت، والتراب بدأ يتزعزع، والهواء نفسه بدأ يرتجف.

كانت قوة ضغط المانا هائلة، وكأنها تريد تحطيم كل شيء في طريقها.

حاول سون السيطرة عليها.

حاول.

لكنها كانت أقوى منه.

الدماء بدأت تنفجر من عروقه، وعيناه تحولتا إلى اللون الأحمر، وجسده كله بدأ يرتجف.

"أوووووووه!" صرخ مجدداً، وهو يحاول أن يضغط على المانا التي كانت تتدفق منه.

"سون!" صرخ مايكل، وهو يحاول الاقتراب. "تحكم بها!"

"لا أستطيع!" صرخ سون، وصوته كان مكسوراً.

"إنها أقوى مني!"

ظهر صوت الكائن في رأسه مجدداً.

"هذا يكفي."

ثم...

توقف كل شيء.

هدأت الهالة.

هدأت المانا.

سقط سون على الأرض كالدمية المقطوعة.

"سون!" صرخ مارك، وهرع نحوه.

"سون!" صرخت إلينا، وهي تركض من الباب.

"سون!" صرخ مايكل، وهو يركع بجانبه.

"سون... سون..." قال مارك، وهو يهز كتفه. "هل أنت بخير؟"

فتح سون عينيه بصعوبة، ونظر إليه بعينين مرهقتين:

"أنا..." همس. "أنا بخير."

"ماذا فعلت أيها الأحمق؟!" صرخ مايكل، ودفع مارك بعيداً. "كدت تقتله!"

"لم أكن أعلم..." قال مارك، ووجهه شاحب. "لم أكن أعلم أنه يملك كل هذه المانا."

نظرت إلينا إلى جسد سون، وعيناها تتسعان:

"لم أرى في حياتي تدفق مانا بهذه الضخامة..."

بدأ أفراد الفرق يتجمعون حولهم، وجوههم مذهولة، وأعينهم تتسعان.

ثم...

ظهر القائد.

"ريجي!" همس أحدهم.

ساد الصمت فجأة.

ابتعد مايكل وإلينا ومارك بسرعة، تاركين سون ملقى على الأرض.

تقدم ريجي ببطء، وخطواته ثقيلة، كمن يمشي على حبل مشدود فوق هاوية.

وقف فوق سون، ونظر إليه بعينيه الباردتين.

ثم التفت إلى الحرس:

"اجلبوا لي هذا الفتى إلى القصر."

"وعالجوا كل جروحه."

ثم اختفى في لحظة، كأنه لم يكن هناك.

"ما الذي فعلته..." همس مارك، وهو ينظر إلى جسد سون. "من هذا الفتى بحق الجحيم؟"

)()())()()()())()()()()()()(

بعد ساعة

قصر القائد

كان القصر من الداخل مختلفاً تماماً عن أي مكان رآه سون من قبل.

الجدران كانت مغطاة بالحرير، والأرضية كانت من الرخام الأبيض، والأضواء الخافتة تخلق ظلالاً ناعمة على الجدران.

في القاعة الكبرى، وقف ريجي في المنتصف.

كانت يداه مشبوكتان خلف ظهره، وعيناه الثاقبتان مثبتتان على الباب المغلق.

خلفه، كان هناك رجل آخر.

كان طويلاً، نحيفاً،

"سيدي..." قال الرجل، ونبرته كانت مهذبة. "ما الذي جعلك تهتم بفرد من مستوى A؟"

"أرى أن تلك المانا التي أخرجها..."

التفت إليه ريجي ببطء، ونظر إليه بعينين باردتين:

"لا..." قال، ونبرته كانت حازمة. "ليست كميات عادية."

"أريد فحصه يا كيوبي."

"أوه..." قال كيوبي، وعيناه تلمعان. "هذا جيد."

"قل لي من البداية أنك تريد تشريح جسده..."

"ماذا تقول؟" قال ريجي، ونبرته أصبحت أكثر حدة. "لا، هذا مستحيل."

"لم أقصد ذلك."

"في النهاية، هو ابن القائد موريس."

"أنا فقط أريد أن أعرف ماهية هذه المانا الضخمة."

فتح الباب.

دخلت نادلة، وانحنت باحترام:

"سيد ريجي..." قالت، ونبرتها خجولة. "لقد استيقظ سو..."

"ابتعدي من أمامي."

ظهر سون فجأة، ودفع النادلة برفق، ودخل القاعة.

توقف، ونظر إلى ريجي بعينين متعبتين، ثم خفض رأسه:

"أرجو المعذرة أيها القائد..." قال، وصوته كان خافتاً. "لم أقصد..."

"تعال يا سون." قال ريجي، ونبرته أصبحت أكثر دفئاً. "اجلس هنا."

جلس سون على الكرسي، وجسده لا يزال يرتجف من التعب.

"لقد أثرت اهتمامي..." قال ريجي، وهو يجلس أمامه. "بالمانا التي أخرجتها."

"هل..."

بدأ سون يفكر بسرعة في ذلك الكائن... كيف قال له: سأعطيك مانا لا نهائية وخلوداً..."

ثم قال بصوت عالٍ:

"أيها القائد..." قال سون، ونظر إلى ريجي . "أنا لا أعلم أيضاً ماهيتها."

"غريب..." قال ريجي، وعيناه تضيقان. "غريب أن يولد شخص بمثل هذه الكمية من المانا."

"سيدي..." قال كيوبي، وتقدم خطوة. "لقد طلبت قدوم جيغو إلى هنا كي يحلل الأمر."

"هذا جيد." قال ريجي، وأومأ برأسه.

ارتعب سون في نفسه:

"هل سيكتشفون أمر الكائن؟!"

"لكن... لماذا أنا خائف؟"

"ماذا لو اكتشفوه؟ لا يهم."

"لكن..."

"أشعر أن الأمر يجب أن يكون سراً."

"سون..." قال ريجي، ونظر إليه بعينين حادتين. "أين شردت؟"

"لا... لا شيء." قال سون بسرعة، وهز رأسه.

ظهر رجل أمامهم فجأة.

كان عجوزاً، ، وشعره أبيض كالثلج. كان يرتدي رداءً أسود بسيطاً، وعيناه كانتا ، عميقتين، كبئرين لا قاع لهما.

"سيد ريجي..." قال العجوز، وصوته كان أجشاً، كالحصى في الماء. "أهلاً بك."

"أهلاً سيد جيغو." قال ريجي، ووقف من مكانه. "لقد طلبتك لتحلل نواة مانا هذا الفتى."

"قبل قليل، أطلق كميات ضخمة جداً من المانا، وهو يجهل ماهيتها."

"بالتأكيد أيها القائد." قال جيغو، ونظر إلى سون .

"سون..." قال ريجي، ونظر إليه. "آسف، لقد نسيت أن أقدم لك جيغو."

"إنه فرد من أفراد مستوى S، وهو من فرقتي."

"سررت بلقائك يا سيدي." قال سون، وانحنى باحترام.

أومأ جيغو برأسه، يرد التحية.

ثم بقي ينظر إلى سون طويلاً، وعيناه تلمعان بفضول.

"من ساعدك في فتح نواتك؟" سأل جيغو، ونبرته كانت حادة.

"إنه مارك..." قال سون بتردد. "أحد أفراد فرقتي."

"إذاً..." قال جيغو، وعيناه تضيقان. "حرر مانتك."

"كيف؟" سأل سون، وعيناه تتسعان.

"لا تلعب معي أيها الطفل..." قال جيغو، ونبرته أصبحت أكثر حدة. "نواتك مفتوحة بالكامل."

"هيا، أخرج كل طاقتك."

فكر سون بسرعة:

"ما به هذا العجوز الأحمق؟!"

"مارك هو من ساعدني في ذلك."

"لكن الآن... كيف سأفعل الأمر؟!"

"أنا أنتظر." قال جيغو، ونبرته أصبحت أكثر برودة.

"لا أستطيع." قال سون، وخفض رأسه.

"هل تدربت على مراحل صقل المانا؟" سأل جيغو.

"لا." قال سون.

"هكذا إذاً..." قال جيغو، وعيناه تلمعان بذكاء. "أنت لا تستطيع التحكم بمانتك."

"لكن..." توقف، وابتسم ابتسامة خبيثة. "سوف آخذ طريقة أخرى."

تذكر سون كيف فعلها مايكل:

"بالغضب؟"

"لا، لا أريد."

"بل..." قال جيغو، ونبرته أصبحت أكثر عمقاً. "بالخوف."

أطلق هالة قتل خانقة على المكان.

كانت هالة سوداء كثيفة، كالدخان المتجسد، تغطي كل زاوية، وتضغط على الهواء بثقل لا يطاق.

ارتعب سون.

شعر بالخوف يتسلل إلى قلبه، كالماء البارد في ليلة شتاء.

بدأ جيغو يتقدم نحوه ببطء، وعيناه تلمعان كالجمرتين في الظلام

شعر سون بالتهديد.

شعر أن حياته في خطر.

شعر بغريزة البقاء تشتعل في داخله.

انفجرت هالته فجأة.

لم تكن كالمعتاد.

كانت أقوى، وأكثر كثافة، وأكثر شراسة.

المانا بدأت تتدفق من عروقه، كالنهر الهائج، كالبركان الذي يثور.

قفز كيوبي إلى الخلف، ووجهه شاحب.

"سيدي..." قال، ونبرته مرتجفة. "هذا..."

"المكان محمي يا كيوبي." قال ريجي، ونبرته كانت هادئة. "لا تخف لن يسقط علينا."

وقف سون في وسط القاعة، وهالته الزرقاء تغطي كل شيء، وعيناه تحترقان بضوء جديد.

يتبع...

2026/08/26 · 99 مشاهدة · 1621 كلمة
Foha
نادي الروايات - 2026