✿ الفصلُ 149 ✿
هذه المرة، كنتُ أنا من ذُهِل.
وحين جَمُدَتْ ملامح وجهي، أدرك المدير خطأه، فأمال رأسه إلى الخلف بملامح يعلوها الأسف.
— آسف، لا بد أنك تفاجأت… لم أسألك لأوبّخك، بل أردتُ التأكّد فحسب.
ضغط المدير بيده على شعره المتموج، منتظرًا إجابتي.
'كيف يعرف مدير المتجر التجاري المجري كبيرا الخدم الأرنب والقط؟'
حتى الآن، كنتُ أعتقد أن الشخصيات غير اللاعبة تقتصر حياتها على المحن، وتختفي بمجرد إغلاقها.
ظننتُ أن زوال نيزك المحنة يؤدي إلى اندحار كل شيء معه.
لكن… بالتدقيق في الأمر، أدركتُ أن خَدَمَ سامكل كانوا شخصيات تتجاوز المعايير المعتادة.
فقد سبق أن سألوني عن الحساب الكوني، ويطلبون مني إعطاءهم رمز الاتصالات بين النجوم.
أي أنهم كانوا يستغلون تقنيات أكاشا بالفعل.
وكان وجودهم خارج نطاق المحن أمرًا واردًا جدًا.
بل إنني أعرف حالةً سابقة لشخصية غير لاعبة بقيت على قيد الحياة رغم إغلاق المحنة.
'فقد رأيتُ الباحث المصاب بجنون الارتياب من ديزونديل في فُديبو.'
إذا كان إغلاق المحنة لا يعني تلاشي الشخصيات تمامًا…
وإذا كان بمقدورها التواجد في العالم الخارجي أيضًا…
فسمايلي، والشقيقان الباحثان، وإيدل، وتوأما التنين الناري، والمخلوقات المشوهة…
ربما يكونون جميعًا موجودين في مكان ما من هذا الكون الفسيح.
بالطبع، كان الاحتمال ضئيلًا.
فأنا لا أعرف حتى الشروط المطلوب توافرها ليتملصوا من حدود المحن.
لكن المهم أن الاحتمال لم يكن معدومًا.
لطالما شعرتُ بالعجز كلما افترقتُ عن أحدهم، أما الآن فبات بإمكاني التمسك ببارقة أمل.
وفي الوقت نفسه، طرأت ببالي فكرة جديدة.
'إذًا، ما المعنى الحقيقي لإغلاق المحن؟'
'بل… ما هي المحن في الأساس؟'
شعرتُ وكأنني لامستُ سؤالًا جوهريًا للغاية.
لكنها كانت مسألة يعجز عقلي عن حلها بما أملكه من معلومات حالية.
لذا، بادرتُ بإجابة المدير الذي ينتظر ردي.
"شظايا النجم المظلم… أعطاني إياها كبيرا الخدم."
وما إن سمع المدير إجابتي حتى أومأ برأسه وكأنه كان يتوقع ذلك، لكن علامات الدهشة ارتسمت على وجهه في الوقت نفسه.
— ما الذي دهاهما ليفعلا ذلك…؟
من رد فعل المدير، يبدو أن كبيرا الخدم لم يسبق لهم منح شظايا النجم المظلم لأي شخص من قبل.
ناداني المدير بحذر.
— يا صغير.
"نعم؟"
— للتحقق من الأمر، أريد توصيل اتصال قصير بـ كبيرا الخدم، هل يضايقك هذا؟ إن كنتَ تتردد في التواصل معهم، فسأتحقق بطريقة أخرى.
ألقيتُ نظرةً أولًا على سلايم البودينغ الجالس فوق كتفي.
لم يبدُ على دومينيك أي رد فعل.
الآن أظن أنني فهمتُ الصورة.
غالباً ما كان كبيرا الخدم الأرنب والقط من أتباع دومينيك المقربين.
لقد انتظرا سيدهما الذي لم يَعُد، وحافظا على القصر وفاءً له.
والآن، بعد أن استعدتُ خاتم الختم…
فمن المرجح جدًا أن يكون دومينيك قد شعر بوجود أتباعه.
لكنه، رغم ذكر كبيرا الخدم صراحةً، لم يظهر عليه أدنى اهتمام.
لا أدري إن كان السبب عدم استعادته لجوهره بالكامل بعد، أم…
أنه لا يبالي بأتباعه مطلقًا.
وكان الاحتمال الأخير هو الأقرب للواقع.
ترددتُ قليلًا.
'هل من الصواب الاتصال بالخدم؟'
لقد أغلقتُ سامكل حيث يقع القصر، وبدلاً من إعادة سيدهما إليهما، حولتُه إلى سلايم صغير لطيف.
من وجهة نظر كبيرا الخدم، فإن إطلاق شعاع مدمر عليّ هو أقل ما يمكنهم فعله.
وفي وضع كذا، إن أجرى المدير الاتصال، فلن يقولوا إلا كلامًا كفيلًا بإلقائي في سجن مجري.
لذا، ربما كان من الأفضل أن أنضم للاتصال وأعتذر منهما عن خطئي.
'على الأقل، ما دام الاتصال مرئيًا، فلن يتمكنا من إطلاق الأشعة عليّ عبر الشاشة.'
كنتُ بحاجة ماسة إلى عشرة مليارات شظية نجمية.
اشتقتُ كثيرًا لشظايا النجم المظلم التي منحني إياها السيد ذو الكتل السوداء في سلتوبل.
بل راودتني رغبة بالعودة إلى سلتوبل المُغلقة ولو لاستعادة بعض الفكة.
"لا بأس، يمكنك توصيل الاتصال."
— حسنًا، سأوصله فورًا.
حرّك المدير يده البلورية، فظهرت شاشة جديدة.
وأصبح أمامي الآن شاشتان.
وبينما أنتظر اكتمال التوصيل، تسارعت دقات قلبي.
ولم يكن ذلك لمجرد الخوف أو التوتر…
بل كان هناك شعور جارف بالترقب؛ لأنني على وشك رؤية كائنات ظننتُ أنني لن أراها مجددًا.
ولأن الخدم لم يجيبوا بسرعة، طال صوت الرنين.
قطّب المدير وجهه غاضبًا، ثم استخدم صلاحياته كمدير للمحطة لفرض الاتصال فرضًا.
وحينها… وبعد طول انتظار…
— أنا مشغول، سأغلق الخط.
سمعتُ صوت كبير الخدم الأرنب مجددًا.
كان الاتصال مرئيًا، لكنه لم يفعل الكاميرا على ما يبدو، فلم أسمع سوى صوته بينما ظلت الشاشة سوداء.
فقال المدير بغضب رداً عليه:
— مهلًا! أتحسب أنك الوحيد المشغول هنا؟ أنا أكثر انشغالًا منك!
وفور محاولة كبير الخدم الأرنب إنهاء المكالمة، قال المدير بسرعة:
— تعاون معي في التحقيق! هل قمتَ بتوزيع شظايا النجم المظلم؟
— …شظايا النجم المظلم؟
وبينما ساد الصمت من طرف كبير الخدم الأرنب للحظات، فتحتُ فمي بهدوء.
"سيدي كبير الخدم…."
وقبل أن أتم كلماتي، أضاءت الشاشة فجأة.
فوجئتُ بوجه أرنب أملس مصنوع بالكامل من معدن أسود قاتم يملأ الشاشة.
— غــونبام!
انشق فمه المليء بالأسنان الحادة جانبيًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
— إنه غونبام حقًا! هل أنشأتَ رمز اتصال؟ يا لك من طفل رائع!
وفجأة، أُزيح وجه الأرنب جانبيًا.
— يا إلهي، غـونبام!
دفع كبير الخدم القط كبير الخدم الأرنب على الجانب بوقار، ثم ابتسم لي قائلاً:
— لقد مضى وقت طويل يا غونبام. اللقاءات غير المتوقعة تثلج الصدور دوماً! هل كنتَ بخير طوال هذه الفترة؟ لطالما فكّرتُ بكَ مراراً وتكراراً. وبالطبع، لا بد أنك فكّرتَ بنا أيضاً!
"بل أنا من فكّر بكَ أكثر!"
— آه! ينبغي أن أناديكَ الآن بـ آوريـون يانغ… لكن يصعب تغيير لقب اعتاد عليه لساني. هل تسمح لنا بمناداتك بلقبك المحبب؟
— هل يمكننا إطلاق اسم غـونبام عليك؟
تجمدتُ أمام سيل الكلمات المتدفق فور الاتصال.
'لماذا يغمرانني بكل هذا الود؟ لقد وطّنتُ نفسي على مواجهة جفائهما…'
ألقيتُ نظرة خاطفة على دومينيك، لكنه ظل هادئًا يراقب في صمت.
تعلثمتُ وأنا أجيب على أسئلتهم:
"لقب غونبام… لا بأس به. أمم، هل كنتما بخير يا سيديَّ؟"
— بخير جدًا!
أدنى كبير الخدم الأرنب وجهه حتى ملأ الشاشة.
— نحن نبني قصرًا جديدًا على كوكب جديد، سيعجبك بالتأكيد!
"إنه مكان أروع بكثير من السابق، أود إظهاره لكَ في أقرب وقت!"
وهنا تدخّل المدير مقاطعًا:
— أيها الخادمان! لقد اتصلتُ لكي توضحا مصدر شظايا النجم المظلم، و…!
— توضيح المصدر؟ أتقصد شظايا النجم المظلم التي أعطيناها لغـونبام؟ تلك أُجرة مشروعية حصل عليها لقاء عمله الدؤوب، إنها أموال نظيفة ولا شائبة عليها!
— أجل، نحن من أعطاها له.
أجاب كبيرا الخدم المدير بسرعة، ثم أرجعا تركيزهما الكامل نحوِي.
ثم وجّه إليّ أحدهما سؤالاً مروعاً:
— متى ستأتي لزيارتنا؟
تسربت قشعريرة باردة في ظهري، وعلمتُ أن الكذب لن ينقذني من هذا الموقف.
لذا قدمتُ إجابة مبهمة تجمع بين الحقيقة والغموض:
"لم أتمكن… من الوفاء بوعدي بعد، أنا أسف."
كنتُ قد وعدتهما ببدل قصارى جهدي لإيجاد سيدهما وإعادته للمنزل.
وقد وجدتُ السيد بالفعل لكنني لم أُعده، لذا فأنا لم أوفِ بالوعد حقاً.
توقعتُ أن يثور كبيرا الخدم غضبًا هذه المرة، لكن رد فعلهما كان أبعد ما يكون عن توقعاتي.
نظر الخادمان إلى بعضهما للحظة، ثم اتسعت ابتسامتهما المعدنية على نحوٍ متطابق.
"هاهاها!"
ارتجفتُ من صدح ضحكاتهما العالية.
ثم حدقا بي جنبًا إلى جنب.
ورغم أن وجهيهما المعدنيين لا يحتويان إلا على فم، إلا أنني شعرتُ بنظراتهما المباشرة تخترقني.
"نحن نثق بكَ، ونعرف كيف ننتظر أيضاً."
"لا بأس على الإطلاق."
كانت كلماتهما تنضح بلطف متعمد، وكأنهما يمسحان على رأسي لو كنتُ أمامهما.
ملأ كبيرا الخدم الشاشة وقالا لي:
— سننتظر اليوم الذي تعود فيه إلى القصر!
— سننتظركَ حتمًا!
ثم قطعا الاتصال.
اختفت الشاشة، ولم يبقَ إلا أنا والمدير مجددًا.
اتسعت عينا المدير بذهول، ثم تمتم باستنكاف:
— يا لهما من مخلوقين مزعجين!
وقفتُ ساكنًا أسترجع كلمات الخدم في ذهني.
تمامًا كالمدير، لم يدركا وجود دومينيك الجالس على كتفي.
لكن لماذا لم يسألا عن سيدهما قط؟
'هل يقولان إن كل شيء بخير وسينتظران لأنها يثقان بي إلى هذا الحد؟'
أم يظنان أنني عثرتُ عليه بالفعل؟
ومع ذلك، بما أن سيدهما لم يرجع للقصر، فمن الطبيعي أن يسألا عنه ولو مرة واحدة.
عجزتُ تمامًا عن فهم ما يدور في رأسيهما.
وبينما كانت أفكاري تتضارب، ناداني المدير:
— يا صغير… هل أنت… لا، لا عليك.
بدا وكأنه يريد قول شيء ما ثم تراجع.
لكنني لم أتمكن من التفكير فيما أراد قوله؛ لأنني سمعتُ خبرًا صادمًا بعدها مباشرة.
— لقد انتهى التحقق، لكن طبقًا للإجراءات، ولرفع التجميد عن الحساب، يجب عليك زيارة المؤسسة بنفسك وتقديم المستندات الرسمية.
"…ماذا؟"
— ولا أظنك قادرًا على زيارة أقرب مؤسسة مالية بين النجوم… أليس كذلك؟
قال المدير ذلك بنبرة شفقة بالغة، بعدما أدرك امتناع امتلاكي لأي مركبة فضائية.
لقد كنتُ متسولاً في الأصل، والآن أصبحتُ متسولاً فاقدًا لقدرته المالية.
في تلك اللحظة، تصاعدت رغبتي العدوانية في ضرب سلايم البودينغ بشدة.
— سأحاول البحث عن طريقة لحل هذه المشكلة.
أجبته بخيبة أمل:
"حسنًا…"
ظننتُ أن المدير سيقطع الاتصال، لكنه استمر في التحديق بي لسبب ما.
"يا صغير، توجد في أكاشا قواعد لحماية الحكام الصغار في الأصل، لكنك سيد كوكب… فهل تدرك معنى ذلك؟"
بالطبع لم أكن أعرف. وحين واصلتُ الانتظار، شرح المدير بصوت هادئ:
"هذا يعني أنك أصبحتَ في منطقة بلا قانون؛ فالحكام التي تمتلك أراضي لا تقع تحت بند الفئات المحمية."
بدأ شعر المدير يتحرك من تلقاء نفسه متموجًا في الهواء، وثبّت حدقتيه الماسيتين عليّ مباشرة:
"احذر أشد الحذر من الحكام القدماء، فهم يفقدون صوابهم أمام أي شيء يثير اهتمامهم."
كان هذا الكلام يبدو مألوفًا، وكأنني سمعتُه من قبل. فلم أستطع كبح فضولي وسألته:
"ولماذا يكون اهتمام الحكام بي ضارًا؟"
"حسنًا… ببساطة، قد يلتهمونك، أو يحولونك إلى لعبة، أو يتخذونك حيوانًا أليفًا… وفي الحالات الأفضل من ذلك…"
تابع المدير حديثه بذكر شيء آخر…
لكنني لم أتمكن من سماعه. فقد تشوّه صوته بطريقة كابوسية.
تدفقت أصوات حديدية حادة كآلة معطلة، تداخلت مع تشويش حادّ كاهتزاز الترددات.
ولأنه لم يلحظ عدم سماعي له، اعتذر المدير قائلاً:
— آسف، لم يكن يجدر بي الحديث عن هذا أمامك.
ما سمعتُه للتو كان مرعبًا بما فيه الكفاية، فما بالك بالحالات الأكثر سوءًا التي لم أسمعها.
أطلق دومينيك -الذي كان ينصت بصمت- ضحكة خافتة.
ثم تحدث بصوت لم يجرؤ على إخراجه أمام كبيرا الخدم حتى:
"لا داعي للقلق كثيرًا… ألسْتُ موجودًا بجانبك؟"
قالها محاولًا طمأنتي بأنه لن يسمح بحدوث ذلك.
ويبدو أن تلك الاحتمالات كانت سيئة في نظره هو الآخر.
نظر المدير إليّ مليًا ثم حسر قائلاً:
— كم مضى من الوقت منذ آخر مرة رأيتُ فيها حاكمًا صغيرًا…؟ حتى أنا تشكلت لدي رغبة باستكشافك، وهذا بحد ذاته أمر يدعو للقلق!
أظن أنني بدأت أفهم الآن لماذا قال دومينيك إنه من الأفضل أن أعرف المدير وأبقى على معرفة به.
ومع ذلك، بدا المدير لي كائناً فضائيًا طيبًا وذا ضمير حي.
راقبتُ رد فعل سلايم البودينغ بحذر، ثم طرحتُ سؤالاً آخر على المدير:
"ما رأيك في الاستفادة من نظام الرعاة؟"
— الرعاة…
تماوج شعر المدير، ثم قال بشيء من التروي:
— الأمر يتوقف تمامًا على شروط العقد… لكن وجود راعٍ لحاكم صغير ليس خيارًا سيئًا، فأنت بحاجة للحماية.
بدا وكأنه يفكر عميقًا، ثم قال وهو يعقد حاجبيه:
— إذا أبرمتَ عقد رعاية، فأرني إياه أولاً، وسأتأكد لكَ منه بنفسي.
"…..!"
'هل يوجد كائن فضائي بهذا اللطف حقًا؟ لا أصدق.'
بعد أن كسبتُ حليفًا يُعتمد عليه، سارعتُ لشُكره:
"شكرًا جزيلًا لك! سأحرص على إظهاره لك حتمًا يا مدير."
— حسنًا… سأحاول حل مشكلة تجميد الحساب في أسرع وقت.
وقال المدير بوجه عابس:
— وأنت يا صغير، خذ هذا.
ضغط شعره على الهواء الخالي، فانفتح شق فضائي فوق رأسي بصوت حاد، وسقط منه مجسم.
كان مكعبًا سداسي الأوجه يمزج بين اللونين الأزرق الأخضر والبنفسجي.
— هذا جهاز نداء للاستخدام مرة واحدة، إن حدث شيء استدعِني به، وسأساعدك بما أستطيع.
'مدير المتجر التجار المجري سيساعدني بنفسه؟!'
شعرتُ أن مزاجي السوداوي بسبب تجميد الحساب بدأ ينجلي قليلًا.
نظر المدير إلى المكعب في يدي ثم وجه وصيته الأخيرة:
— أكرر عليكَ مجددًا: عليكَ الحذر من الحكام القدماء، اتفقنا؟
ثم انتهى الاتصال.
لكن الرسالة التالية ظهرت أمامي مباشرة:
[يا صغير، كن حذرًا… فـ سيد كبيرا الخدم بالذات ليس سوى أقدم حاكم.]