مقر فرقة الموتى
بعد ساعة من المداهمة
كانت ساحة المقر تبدو كجسد مصاب بجروح عميقة. المباني المتداعية تتصاعد منها أدخنة سوداء، والجدران المثقوبة تئن تحت وطأة الذكريات التي انهارت معها. أضواء الطوارئ الحمراء كانت تنبض كقلب محتضر، تضيء وتخفت في إيقاع ثابت، تاركة الظلال ترقص على وجوه الناجين الذين تجمعوا في صمت ثقيل.
أما القصر، ذلك المعلم العتيد الذي كان رمزاً للقوة والهيبة، فقد أصبح أشبه بشبح من رخام مكسور ونوافذ محطمة. كان صامتاً أيضاً، صامتاً كقبر.
في أعماقه، في قاعة القيادة المهيبة التي مازالت تحتفظ ببعض من عظمتها رغم الدمار، جلس القائد ريجي على كرسيه الحجري، واضعاً يده على ذقنه، غارقاً في بحر من الأفكار الثقيلة.
كان صامتاً، لكن صمته كان أعلى من أي صراخ. عيناه كانتا تحدقان في الفراغ، لكنهما كانتا ترى كل شيء: كل جدار تهدم، كل روح اختفت، كل ثانية من تلك الساعة التي انقلبت فيها حياتهم رأساً على عقب.
دخل كيوبي بهدوء، خطواته بالكاد تُسمع على الأرض الرخامية. توقف عند مدخل القاعة، ونظر إلى قائده. كان ريجي شارداً، بارداً جداً لدرجة أن الهواء حوله تجمد.
تقدم كيوبي ببطء، وكأنه يقترب من تمثال جليدي لا يريد أن يكسره.
كيوبي، صوته هادئاً، محاولاً ألا يزعج سكون القائد: "سيدي... لقد أمرت بتجهيز كاميرات المراقبة. ستُحضَر بعد عشرين دقيقة، لنتمكن من تجميع كل المشاهد والصور للعدو."
وقفت الكلمات في الهواء كقطع من الزجاج، تنتظر أن تتحطم على صمت ريجي.
لكن القائد وقف فجأة، وتوجه نحو كيوبي بخطوات ثقيلة. عيناه كانتا لا تزالان باردتين، لكن شيئاً آخر كان يتحرك وراءهما: شرارة من غضب ، محكوم، لكنه بدأ يتسرب كالنار تحت الرماد.
ريجي، صوته كان هادئاً جداً، لدرجة أنه كاد أن يكون همساً: "كيوبي... أترى أنني قائد مهمل حقاً؟"
اتسعت عينا كيوبي في دهشة، وتراجع خطوة إلى الخلف كمن تلقى صفعة غير متوقعة.
كيوبي: "حاشا يا سيدي! هذا مستحيل. أرجوك، لا تسمع ما يقوله الناس. فأنت..."
لكن ريجي رفع يده، كمن يسكت صوتاً لا يريده.
ريجي: "بل أرى أنني كذلك. لا أصلح لأن أكون قائداً."
كيوبي: "سيدي..."
ريجي: "ما حدث هنا يدل على أنني مهمل. ليس هذا مكاني. أتتخيل؟ في أقل من ساعة واحدة، تمت السيطرة على كامل المقر، وخُطف الكثير من أفراد الفرق، وهربوا كأن شيئاً لم يحدث."
ابتسم ابتسامة مرة، كمن يتذوق السم: "لا أستطيع أن أصدق أن هذا أمر عادي. إنه غريب حقاً... بسرعة، كل شيء انقلب. وأنا، ماذا كنت أفعل؟ كنت في قصري... نائماً."
اندفع كيوبي خطوة إلى الأمام، صوته أصبح أكثر حدة، وهو يحاول اختراق جدار العزلة الذي بناه قائده حول نفسه.
كيوبي: "أيها القائد، لا تلم نفسك! هذه العملية، من الواضح أنها مجهزة بالكامل ومخطط لها بدقة. هذا ليس خطأك. لا تتحمل المسؤولية كاملة وحدك. نحن جميعاً..."
ريجي: "لقد تم مداهمة مقري."
قاطعه ريجي، وصوته أصبح أكثر برداً، كأنه يقرأ حقيقة لا تقبل النقاش: "رأى العدو أن مقر فرقة الموتى هو المقر الأضعف والأهش بين الفرق، لذلك تمت مداهمته بهذه السهولة."
توقف، ونظر في عيني كيوبي كما لو كان يبحث عن شيء هناك، عن شرارة من الإنكار رباً، لكنه لم يجد إلا الحقيقة: "سوف يسخرون مني، القادة الآخرون، بلا شك. سيقولون: ريجي لا يستحق منصبه. فرقته ضعيفة. مقره مفتوح للأعداء."
كيوبي، صوته أصبح أكثر إلحاحاً، وكأنه يحاول إنقاذ قائده من نفسه: "أيها القائد! هذه فرقتنا! فرقة الموتى العظيمة، التي سُميت بهذا الاسم لأن أفرادها لا يستسلمون أبداً. هذه هي فرقتي، وفرقتك، وفرقتنا جميعاً. يجب أن نحميها، مهما جرى لها. لا يهم من يسخر، ولا يهم من يحكي. نحن لا نبالي. المهم هو أن نرد الثأر!"
نظر ريجي إلى كيوبي، وفي عينيه شيء تغير. لم يكن الألم قد ذهب، لكن شيئاً آخر حل محله: عزم.
ريجي، ابتسامة باردة ترسمت على شفتيه: "الثأر... ههه. بالطبع، هذا أمر لا مهرب منه."
نظر إلى كيوبي بعينين أصبحتا جليديتين تماماً، وكل كلمة نطق بها كانت كالسيف: "هدفي الآن هو إبادة عصابة تيوانة. محوهم جميعاً، حتى آخر فرد منهم. حتى لو كلفتني هذه المهمة حياتي."
اشتعل غضب داخلي في صدر كيوبي، لكنه لم يظهره. بدلاً من ذلك، انحنى برأسه، وصوته كان كالوعد المقدس.
كيوبي: "سأكون لك اليد اليمنى في هذا. لن أترك هذه العصابة تمر هكذا. أقسم لك بذلك."
وقف الصمت بينهما للحظات، ثقيلاً كالرصاص.
ثم دخل جيمي من باب القاعة ، كان وجهه متعباً، لكن عينيه كانتا تحملان معلومات جديدة، كالنار التي تنتظر أن تشتعل.
جيمي: "أيها القائد."
التفت إليه ريجي بسرعة: "ماذا وجدت؟"
جيمي: "كما توقعت... إنهم أفراد عصابة تيوانة. لقد تحققت من هويات الأعضاء الذين ظهروا في المقر. المعلومة الآن مؤكدة."
صمت لحظة، ثم أردف: "عصابة تجار البشر المعروفة في القارة. لكن حسب ما لدينا من معلومات، لم تتخذ هذه العصابة خطوة بهذا الحجم أبداً. هذه هي المرة الأولى التي يجرؤون فيها على مهاجمة مقر فرقة منظمة بهذا الشكل الجريء."
كيوبي، عبس جبينه: "بالفعل... عندما أفكر في الأمر، لا أجد جواباً. لقد تم خطف الكثير من أعضاء الفرق. لماذا هم بالتحديد؟ أيخاطرون بهذه الدرجة من أجل بضعة التجارة؟"
ريجي، وضع يده على ذقنه مجدداً، وهو يتأمل: "ليس هذا فقط. تم خطف الكثير من أعضاء فرقنا من قبل، وفرقة ميكا أيضاً تم الإعلان عن حالات متشابهة. ."
جيمي، أضاف بصوت أصبح أكثر حدة: "هناك أمر آخر غريب جداً. حسب ما قاله لي مدير هيئة المهمات، إنهم لم يقتلوا الأفراد الذين خطفوهم. وهذا الأمر يدعو للحيرة. ما هو هدفهم حقاً؟ إنه غريب جداً."
وقف ريجي صامتاً للحظات، ثم بدأ يمشي ببطء نحو النافذة المحطمة، ينظر إلى الأفق المتداعي.
ريجي: "أولاً... لم يأتِ لذهني تفسير لما تم استهداف مقر فرقة تابعة للمنظمة وخطف أفرادها. لكن بالنسبة للموضوع الثاني، لدي احتمال يمكن أن يكون صحيحاً..."
التفت إليهم، وعيناه تتألقان بذكاء القائد المخضرم: "أرى أنهم يريدون أعضاءً بشرية ناضجة. وسبب عدم قتلهم هو أن المكان الذي سينقلونهم إليه بعيد، لذلك يستوجب عليهم نقلهم أحياءً."
جيمي: "إن كان هذا الاحتمال صحيحاً، يمكننا العثور عليهم قبل وصولهم إلى المكان المحدد."
كيوبي، هز رأسه بتشاؤم: "سيكون أمراً صعباً حقاً. نحن لا نعلم مقرهم ولا وجهتهم. نتعامل مع أخطر العصابات في القارة. من المحتمل أن يكون لديهم شبكات متعددة، ومخابئ في كل مكان."
وقف كيوبي لحظة، ثم تقدم خطوة نحو ريجي، صوته أصبح أكثر إلحاحاً.
كيوبي: "سيد ريجي، لدي حل. أولاً، كل الفرق التي ستسمع خبر مداهمة مقر فرقتنا، ومن بينهم فرقة ميكا المتضررة، سترى أنهم قد يكونون الهدف التالي. لذلك، من المستحسن أن نعقد صفقة مع القائد موريس، لكي نتعاون ونوسع البحث. دمجه لقواتنا سيعطينا تفوقاً معلوماتياً كبيراً."
لكن ريجي رفع يده رافضاً.
ريجي: "أنا أرفض. لم نخسر بعد لنلتجئ للمساعدة. سوف نقوم بتوسيع البحث بأنفسنا. سأخرج بنفسي، وأتتبع الأمر بيدي."
جيمي، صوته كان حذراً: "أيها القائد، كنت سأشجعك على ذلك، لكن أتى في ذهني احتمال آخر."
توقف لحظة، ثم أردف: "سوف يخرج كل أعضاء المستوى S أيضاً. وإذا خرجت أنت أيضاً، يمكن أن يكون هذا هو هدف العدو الحقيقي. العودة إلى مقر فارغ بعد خروجنا جميعاً... . لذلك، أنا أرشح بقاءك في المقر، ودع الأمر لنا."
التفت ريجي وادار ظهره لهم، وتقدم نحو النافذة مرة أخرى. كان صوته أصبح أكثر عمقاً، كأنه يأتي من قاع جبل.
ريجي: "هذا مستحيل. لن أقبل بالجلوس مكتوف الأيدي. لقد فشلت في حمايتهم في مقر فرقتهم، بل في ديارهم. لذلك، يجب أن أساعدهم وأعيدهم إلى هنا. سوف أسحق زعيم العصابة بنفسي، بيدي هاتين."
جيمي: "سيدي، يجب ألا نندفع. لا شك أن العدو جهز خطته بدقة. لا نعلم ما هو هدفهم الحقيقي. نحن نبني على مجرد توقعات واحتمالات ليست مؤكدة. أنا أحترم رأيك، لكن مازال هناك الكثير من الفرق هنا، ويجب أيضاً حمايتها."
توقف جيمي، ثم انحنى برأسه بتواضع: "أقدم لك طلباً، وأرجو أن تقبل به. أريد أن أبقى وأحمي المقر. بصفتي الرقم 14 وأقوى فرد في المستوى S بعدك، يمكنني أن أكون درعاً لهذا المكان."
نظر ريجي إلى جيمي، وفي عينيه شيء من الامتنان العميق.
ريجي، صوته أصبح أكثر دفئاً: "أثق بك. أنا موافق. شكراً لك، جيمي. حقاً، لن أنسى لك هذا المعروف.
كيوبي: "إذاً، سأرسل طلباً لباقي الأفراد. لنبدأ البحث. سنتفرق على كل المناطق. سأجهز الأغراض اللازمة لكل واحد منا، لتسهيل الاتصال فيما بيننا."
جيمي: "أيضاً، لقد أعطيت أوامر للفرق التي في خارج المراقبة على طول الطرق والشوارع والممرات والجبال. سوف يبلغون الأقرب منكم إذا لاحظوا أمراً غريباً."
ريجي: "أيضاً، هناك لاقطات هالات المانا الموجودة على حدود الهند. أريد تفعيلها. أصدر أمراً لهيئة المهمات وهيئة الحماية للعمل في تنسيق معنا."
ثم التفت إلى كيوبي، وعيناه أصبحتا أكثر جدية: "وأيضاً، أصدر أمراً لأفراد المستوى S: بعدم الالتحام بأفراد العصابة إذا تم العثور عليهم. وإعلامي بذلك فوراً."
كيوبي: "لماذا، سيدي؟"
ريجي: "أثق بقوتكم جميعاً. لكن يمكن أن تكون مداهمة المقر في الأصل فخاً للإمساك بالقائد والأعضاء العليا للفرقة. لذلك، لن أورطكم أكثر. أريد أن أقضي عليهم بنفسي. وهذا أمر يجب أن يطبق."
كيوبي: "حسناً... سأعلمهم بذلك.
وقف ريجي صامتاً للحظات، ثم نظر إلى الأفق المتداعي من خلال النافذة المحطمة. صوته كان كالهمس، لكنه حمل وعداً لا يرد.
ريجي: "لقد أقسموا على حماية هذا المكان. وأنا أقسم على حمايتهم. سأفي بعهدي، حتى لو كلفني ذلك كل شيء."
التفت إلى كيوبي وجيمي، وعيناه تتألقان بنور القائد الحقيقي.
ريجي: "جهزوا كل شيء. سنبدأ البحث عند المغيب. هذه المرة، لن نترك لهم أي مفر."
جيمي: "سنفعل، سيدي."
كيوبي: "سنمحي كل أثر لهم من هذه الأرض."
يتبع...