إنقلبت موازين الحرب ، و حل اليوم صفر معيدا إياها الى نقطة البداية .
اودن عاد ، معيدا للاذهان رعبا قديما سجلته كتب التاريخ ، وحش مريع لا يمكن قتله أبداً . و على الرغم من تحذير العرافة بأن عودته باتت وشيكة .
الا ان الكتاب لم يتوقعوا مطلقا ظهوره بهذه السرعة .
ظهور الخراب الشاحب تسبب بحالة طوارئ في العالم بأسره و ليس كتبتة التاريخ لوحدهم ، فعالم الاثير يعرف جيدا اسم اودن الوحش الذي لا سقف لقوته و لا قاع لها .
الكتاب بشكل خاص كانوا الاكثر توترا من عودته بما انه عدوهم الازلي ، اشبه بالزعيم النهائي لكل مخاوفهم .
المجلس استدعى كافة الاسماء الكبيرة ، و عقد اجتماعا طارئا بعد الأحداث الاخيرة في ارياندل ...
فلولا تدخل كليا و انقاذها للجميع مستخدمةً اداة الخلق لتعرض جزء كبير من خيرة مقاتلهم للابادة بالنهاية على يد الخراب الشاحب و سادة العروش الذين رافقوه .
و رغم نجاح كليا بانقاذ الكثير ، الا ان العديد قد كانوا موتى بالفعل بحلول وقت وصولها .
كتبتة التاريخ احصوا الموتى ، و إستنتجوا بأن نصف القوات التي قاتلت في ارياندل قد ضاعت تماما ، بعضهم تم تأكيد وفاته و البعض الاخر لم يجد احد اثرا له .
كانت هذه هي الخسارة الاكبر لجانبهم منذ بداية الحرب ، حرب ظنوا بانهم سيفوزون بها بسهولة . الى ان قُلبت الطاولة عليهم .
سادة المجلس القدماء كانوا اكبر المتأثرين بعودة اودن ، بما ان بعضهم قد عاش منذ وقت طويل جدا ، و عاصر بعضا مما تسبب به الخراب الشاحب .
"7 ابطال .. تطلب منا الامر 7 ابطال جميعهم مؤهلون لحمل لقب الكاتب الاول ، لهزيمته بالماضي .." قال احد سادة المجلس و التوتر بادٍ عليه رغم انه لم يظهر وجهه .
"ليس هذا فحسب ، بل رافقهم العديد من الكتاب الاشداء ايضا ... كانت معركة شاملة ضد شخص واحد " رد شيخ اخر .
كان الكبار مجتمعين مشكلين دائرة شاسعة جالسين بينما يخفي كل منهم وجهه بستار من الاثير .
بمركز الدائرة ، كانت كليا الكاتبة الاولى حاليا تستمع لكلامهم مغمضةً اعينها ، و ملتزمة الصمت بينما ضمت كلتا يديها امامها .
كانت ترتدي فستانها النجمي كعادتها ، لكنها اخفت هالتها عمدا لكي يتمكن الموجودون من الكلام بسلاسة . و كانت أودي خادمتها حاضرة تراقب من بعيد رفقة عجوز شاركها نفس اللقب .
الاجتماع تمت حراسته بواسطة اثنان من العمالقة ذوي الاجساد البيضاء بالكامل ، يشع منهم ضوء ساطع و مبهر ، كما يحمل كل واحد منهما قوة عظيمة بداخله .
هدف الاجتماع كان تقرير خطوتهم القادمة في سبيل التعامل مع اودن .
الخطة الاولى التي اتفقوا عليها بالماضي كانت جعل الكاتبة الاولى تواجهه ، واضعين ثقتهم بها .
لكن الخطة تغيرت بعد الاحداث الاخيرة ، فسادة عرش المجد الباطل و عرش الموت قد عادا ... كما انهم استهانوا بقوة اودن .
"قدرة الخراب الشاحب ... هي التلاعب بالواقع ، و بالزمان و المكان ." قال احد الشيوخ ، مستعرضا ما يعلمونه عن الخراب الشاحب .
"كما ان الأورا لا تعمل عليه ولا يمكن استخدامها لالحاق الضرر به . و كأنه يستطيع اعطاءها الاوامر ."
منيع ضد الأورا و يستطيع استخدامها دون قيود ، هذه لوحدها كانت قدرة مرعبة دون إضافة باقي ما يستطيع فعله .
"ماذا عن استخدام اداة الخلق ضده ؟ اذا ما قاتلت الكاتبة الاولى مستخدمة اياها بالإضافة لقوتها الخاصة ... هذا سيجعلها اقوى من اودن بكل تأكيد " اقترح احد اعضاء المجلس فقاطعه العديد منهم دفعةً واحدة .
"لا !!!" هم صرخوا معا . " لا يجب ان يتم كشف اداة الخلق امامه مهما كلف الثمن !"
كان من المحرم استخدام اداة الخلق كسلاح ضد اودن ، رغم قوتها العظيمة .
و السبب يعود لحدث قديم عندما حاول احد الكتاب الاوائل استخدامها ضده ، لينتهي بها الامر بيده بدلا من ذلك و كاد الامر ينتهي بكارثة .
"اودن يستطيع التلاعب بالواقع ، و الادوات و الاسلحة لا تفيد ضده ، فهو يستطيع سلبها من خصمه بسهولة ."
المجلس منع اظهار اداة الخلق امام اودن ، خوفا من وقوعها بيده .
كليا استمعت لكل شيء ، و لم تظهر اي ردة فعل حتى و لو وجدت ما قالوه مجرد هراء . فهي لم تكن بالشخص الذي يمكن سرقة سلاحه منه .
المجلس تناقش لوقت طويل حول كيفية التعامل مع اودن ، و وضعوا العديد من الخطط الممكنة . البعض اقترح المواجهة المباشرة باكبر اعداد ممكنة ، و البعض الاخر فضل التراجع و الدفاع بدلا من الهجوم .
هم استمروا بطرح افكارهم لبعض الوقت ، قبل ان تتدخل كليا أخيرا و تتكلم للمرة الأولى بعدما سئمت من الاستماع اليهم .
"لا حاجة لاي من هذه الخطط المعقدة ." هي قالت فاتحةً عينيها .
"الخراب الشاحب يرغب بأداة الخلق ، و لتحقيق هدفه يجب عليه قتل حاملها ، اي انا ."
"المواجهة بيني و بينه حتمية ، لذا لا حاجة لتأجيل ما هو محتوم . سأقاتله كما خططنا منذ البداية و انهيه بنفسي"
اعلنت الكاتبة الاولى عن استعدادها لقتال الخراب الشاحب بمفردها ، واثقةً تمام الثقة من قدرتها على التعامل معه .
اعضاء المجلس لم يعطوها ردهم فورا ، فهم لم يستطيعوا انكار انها تملك حقا فرصة جيدة للفوز .
الخراب الشاحب عظيم و كارثة حقيقية ، لكن كليا كانت واحدة بدورها ، لدرجة عدم وجود اي سجل لمعاناتها بأي معركة ضد ايا كان خصمها . و لم يرها احد تضطر لاستخدام كامل قوتها قط ...
"لكن ... الخصم ليس اودن وحده ، لديه عرش المجد الباطل معه ." اشار احد الشيوخ لنقطة مهمة ، و هي وجود شخص آخر شديد القوة يرافق الخراب الشاحب ، فعرش المجد الباطل هو وحش قديم بدوره .
"لا حاجة للقلق بشأنه ، لأن فراي سيتولى امره ." هي قالت ، مشيرة لابنها الاكبر الذي كان حاضرا الاجتماع كمشاهد من بعيد ، رفقة اخيه ارليكينو و والده آبراهام .
"انا و إبني أكثر من كافيين ." أعلنت الكاتبة الاولى بثقة ، و فخر و كأنها تتباهى .
انظار الجميع ذهبت ناحية فراي ، هذا الاخير لم يقل شيئا ، لكنه بدا موافقا على كلام والدته .
الابن البكر للكاتبة الاولى بدا مختلفا عن اخر مرة رأوه فيها رغم عدم مضي الكثير من الوقت ، بدت ملامحه اكثر حدة ، و حضوره بات أكثر غموضا .
للانعزال بالتدريب رفقة والدته غير الكثير فيه ، و المؤكد هو انه لم يعد الشخص ذاته اطلاقا ، فاعينه باتت اكثر سوادا ، تبدو كالدوامات النابضة بالحياة . لدرجة ان البعض قد شك بأنها قد تتحول لشيء مشابه لاعين والدته .
أنا و إبني ، هذا ما قالته كليا بفخر .
كلمات حصلت على ردود فعل مختلفة ، البعض نظر اليها باعجاب ، البعض الاخر رآها متغطرسة . و البعض الاخر امتلك نوعا مختلفا تماما من المشاعر .
من بينهم ، ارليكنو نقر على لسانه مديرا رأسه بعيدا .. بعدما سمع والدته تقول عن فراي ما ارادها دوما أن تقوله عن نفسه .
اما بقية افراد عائلة فراي فقد اظهروا قلقهم .
"كل ما عليكم فعله ، هو عزل عرش الموت رفقة سائر مخلوقات الضباب بينما نواجه اودن و اوغست ." قاطعت كليا افكارهم ، و أملت على الجميع اوامرها جاعلةً اياهم يتبعون ارادتها .
المجلس تذكر بتلك اللحظة امرا مهما ، صحيح انهم هم السلطة العليا بين كتبة التاريخ وفقا لما نصت عليه الاعراف ، لكن السلطة الشكلية لا تعني شيئا امام القوة الحقيقية .
الاقوى هو من يفرض كلمته ، و لا أحد داخل المجلس اقوى من كليا . استمرارهم بالقيادة و اصدار الاحكام كان ممكنا لنزوة منها ، و كان عليهم الشكر ليل نهار عدم انقلابها عليهم قط .
هذا لا يعني بان المجلس كان ضعيفا ، بل العكس تماما ... فهو يضم قدماء كانوا من بين الاقوى سابقا . لكن الفرق بينهم و بينها عظيم .
في النهاية ، انصاع الجميع لكليا شرط الا تستخدم اداة الخلق ، و باشر الكتاب استعدادتهم للمعركة بعدها مباشرةً .
المعركة هذه المرة كانت مختلفة تماما عن سابقيها ، لربما هي الاهم بتاريخ جنس كامل فمصيرهم جميعا اعتمد على نتيجتها .
فالاقوى بتاريخ الكتاب كان على وشك قتال الاقوى بتاريخ مخلوقات الضباب . و مرة اخرى ... اثبتت العرافة انها لا تخطئ أبدا . و اي شيء تراه سيحدث لا محالة ما لم يتم تغييره مسبقاً .
و بالحديث عن العرافة ، عندما كان الجميع منهمكا في التحضير للمعركة القادمة ... إنبعث تموج اثير شديد من الحديقة التي عاشت ليا بها .
موجة الاثير القوية تلك عنت شيئا واحدا لا غير ، و هو قدوم نبوءة جديدة .
بالعادة ، تخبر ليا حراسها بما تراه و تجعلهم ينقلون النبوءة للمجلس ، لكي يتمكنوا من التحضير مسبقا للكوارث التي تراها .
لكن شيئا غريبا حدث هذه المرة ...
العرافة رفضت البوح بما رأته ، و عزلت نفسها عن الجميع رافضةً الكلام مع اي احد .
تصرفها الغريب هذا اثار موجة قلق بين كتاب التاريخ ، جاعلةً اياهم يفسرون رفضها بعدة طرق .
ظن البعد انها رأت هزيمتهم ، لكن ذلك لم يكن منطقيا فلو رأت ليا خسارة الكاتبة الاولى لاخبرتهم في سبيل تغيير النتيجة .
أيعني هذا بأنهم سيفوزون ؟ لهذا السبب ترفض اخبارهم لكي لا يتغير المستقبل الذي ينتصرون فيه ؟
"ليا لا ترى سوى الأحداث الكبرى التي تتعلق بمصير كتبة التاريخ ، بجانب مصيرها الخاص ، النبوءات الخاصة بها دوما ما تحتوي على حقيقة مظلمة ." قال فراي بعدما سمع عن الامر . و كان هذا رده عندما سألته اودري عن رأيه .
"هذا يعني اننا قد ننتصر ، لكن بثمن ."
بعدما اضطر للتعامل مع تبعيات الرؤى المتعلقة باغاروث ، و النبوؤات الخاصة بمستقبله ، فراي بات يفهم آلية عمل رون المصير الخاص بالعرافة .
فلا وجود لمستقبل مشرق بالكامل ، سيكون هنالك ظلام دوما .
إمتناع العرافة عن الكلام تسبب بزيادة التوتر كثيرا قبل يوم واحد فقط من بداية المعركة الحاسمة ، لكن الاوان كان قد فات لتغيير اي شيء ، و قرر الكتاب المضي كما خططوا تماما .
هم فقط ادركوا ان المستقبل الذي انتظرهم لم يكن بالبسيط اطلاقا ، بل لربما شيء سيغير كل شيء .
...
...
...
-منظور فراي -
الزمن احيانا يمضي بسرعة كبيرة جدا تجعلني غير قادر على مواكبته .
الاشهر القليلة الماضية بدت اشبه بحلم ، قضيتها كلها أتبع امي بكل مكان ، اتدرب على القتال ، التحكم بالاثير و الاورا ، تعلم السيطرة على الرون ، تعلم تاريخ الكتاب و اسرار المجلس .
امي ارادت جعي خليفة لها ، شخص يستطيع اكمال ارثها و اخذ لقبها .
كانت قاسية بمعاملتها ، و باردة بكلماتها . لكنني لم اجد مدربا افضل منها و هذا ما لم أستصغ الاعتراف به .
فقد سبق لي تعلم الكثير من والدي و قدرت كل لحظة قضيتها بالتدرب معه ، لكن التعلم من امي جعل قوتي تقفز كثيرا بوقت وجيز .
عندما امد يدي الان ، الاثير يتدفق من خلالها بسلاسة عجيبة ، و لم اعد اخشى التعرض للاستنزاف فقد فهمت السر أخيرا حول كيفية زيادة مقدار الاثير لدي ..
لربما لا ازال غير قادر على استخدامه بشكل لا نهائي مثل امي ، لكن الكمية التي أستطيع تسخيرها منه لم تكن بالبسيطة .
صرت قادرا على استخدام رون المحو بكفاءة أكبر بكثير هو الاخر ، أستطيع اطلاقه من خلال سيوفي ، و من معظم هجماتي .
رون الممحاة يتبع قانون العدم . و يستطيع محو اي نوع آخر من القوى سواءا كانت اثيرا او اورا . بمعنى آخر ... لا يوجد دفاع يستطيع منع هجماتي بشكل كامل .
لهذا السبب امي قوية جدا ، فهي تحمل نفس الرون ..
ثم عند إضافة الاورا ، أستطيع دمج القوتين معا و زيادة فعاليتها كثيرا ..
قررت تطبيق كل هذا على أرض الواقع ، و امضيت الليلة باكملها اتدرب على ما تعلمته حتى الان . مستذكرا كلمات أمي بحذافيرها .
كل تلويحة سيف اصدرها تسببت بتموجات عظيمة بالفراغ ، و شعرت بنفسي اقوى من اي وقت مضى ، قويا بما يكفي لتحقيق اي شيء ..
هذه الافكار المتعجرفة راودتني لبرهة ، قبل ان تتبخر تماما بعدما عادت بي الذاكرة للرؤى الخمس الخاصة بمستقبلي . فتجمدت مكاني دون وعي مني ..
"لماذا توقفت ؟" جاء صوتها في تلك اللحظة ، فاستدرت لاجد امي بالقرب مني تراقبني .
منذ متى و هي هنا ؟
"لم اشعر بوجودك مطلقا ... كيف تتسللين من ورائي هكذا بكل مرة ؟"
"هذا لانني اندمج مع الواقع من حولي مستخدمة الاثير ، حواسك لا تزال فاترة مقارنةً بي ."
"بالفعل .." تنهدت ، مدركا انني لا أزال غير قادر على تشكيل تهديد حقيقي لها ..
كانت هي السبب الذي جعلني لا اغتر بقوتي أبدا مهما زادت ، لانها قوة ستبدو ادنى دوما مقارنةً بها .
بعد مجيء والدتي ، قضيت معظم وقتي المتبقي اتدرب رفقتها ، مواجها اياها استعدادا لمعركتي القادمة ضد سيد عرش المجد الباطل .
لكننا تحفظنا كثيرا لكي نحافظ على انفسنا للمعارك القادمة ، ما جعل القتال بيننا دون معنى ، فتوقفنا بالنهاية . لكننا بقينا معا ، نشاهد المجلس و بقية الكتاب من بعيد .
موطننا نحن الكتاب لم يكن عاديا ، هو ليس بمدينة ، ولا دولة .. و لا حتى بقارة .
بل عالم بحد ذاته ، يعزلنا تماما عن سائر المخلوقات الموجودة بعالم الاثير .
كان اشبه بالفضاء ، بنيت فيه منصات ، و مباني و طرق تربط بينها بالإضافة لابراج بعدد كبير جدا من الطوابق .
كل منصة توهجت بشكل مختلف و كأنها نجوم ساطعة ما جعلها بغاية الجمال .
بهذه اللحظات الهادئة ، مشاهدا موطني بجانب أمي ... وجدت نفسي اشعر بمزيج غريب من المشاعر تتغلغل داخل صدري .
محدقا بوجهها ، كانت والدتي لا تزال نفسها ، هادئة و أنيقة ، و ينبع منها حضور متعالي يجعل اي شخص يشعر بانها اعلى منه .
اعينها الشبيهة بالفضاء المرصع بالنجوم كانت أكثر ما يشد الانظار اليها ، و لربما اكثر ما ابرز جمالها .
"إذا .. تريدين مني ان اواجه عرش المجد الباطل ." قلت كاسرا الصمت ، فأومأت ردا .
"اجل ."
"هل تعتقدين انني قادر على هزيمته ؟ " سألت هذه المرة فنظرت الي .
لم ارى في نظرتها اي قلق او ثقة ، ولا حتى القليل منها . بل فقط تقييم بارد .
"لا أعلم "
تجمدت قليلا ازاء هذا الرد .
"لا تعلمين ؟" أطلقت ضحكة جافة .. "كان عليك اخباري ببعض الكلمات المحفزة ولو من باب المجاملة ."
"لم تقاتله من قبل. ولم أره يقاتل بكامل قوته. أي إجابة أخرى ستكون كذبًا." هي اضافت . فتنهدت نادما لانني توقعت اي شيء.
"...أحيانًا أتساءل إن كنت تعرفين أصلًا كيف تشجعين أحدًا."
"التشجيع لن يبقيك حيًا." هي استدارت بعيدا بعد ذلك .
أدركت من كلامها أنها ليست واثقة من فرص فوزي ولا نجاتي ، اي انها ستجعلني اقاتله مدركةً جيدا بانها قد ترسلني لقبري ... ما خلق بعض المرارة بداخلي .
"إذا لم تكوني واثقة بقدرتي على الفوز ، فلماذا إخترتني إذن ؟" طرحت سؤالا لا يناسبني ، لكنني شعرت بالحاجة للاستفسار بما ان كل شيء بات على المحك .
"اخترتك لأنك الأقوى بين من يمكنني إرساله." هي قالت دون ان تلتفت الي .
انتظر .. اهذا يعني انني حقا الاقوى حاليا بين الكتاب جميعا من بعدها ؟
شعرت كالاحمق حينها ، لان كلماتها هذه اسعدتني رغم انها لم تكن تمدحني على الارجح ..
انا حقا ... مشتاق لسماع شيء لطيف منها ، متلهف للاحساس بشيء ما منها ، شيء غير البرود الذي تواجهني به دوما .
اردت الشعور به و لو لمرة ... الشعور بدفئها .
"هل هذا كل ما ترينه عندما تنظرين إليّ؟" طرحت هذا السؤال دون وعي مني ، كانت كلمات لم اردها ان تغادر فمي ، لكن الاوان قد فات .
"شخصًا سيصبح أقوى منك يومًا ما؟ و يرث لقبك ؟"
هي لم تلتفت ، فتابعت بصوت أخفض ..
"منذ كنت طفلًا وأنت تدفعينني إلى اقصى حدودي . كلما تجاوزت حدًا وضعتِ أمامي حدًا آخر. كلما أصبحت أقوى، أخبرتِني أن ذلك غير كافٍ." شددت فكي دون وعي .
"لذلك أريد أن أعرف... هل أنا ابنك فعلًا بالنسبة إليك، أم مجرد وريث تحاولين صنعه؟"
للحظة، لم تجب . ثم قالت : "كلاهما "
رمشت ببطء ، بعدما اعطتني إجابة غير متوقعة . و أخيرا .. هي التفت الي مجددا .
"أنت ابني. ولهذا تحديدًا لن أسمح لك بأن تكون ضعيفًا . لقد رأيتها فيك ، رأيت بداخلك امكانيات مذهلة منذ ايام صباك ، فادركت بأنك ولدت لتكون عظيما ."
اقتربت مني خطوة .
"سيأتي يوم لن اكون فيه امامك ، يوم لن اكون هناك لاقتل ما هو اقوى منك ، لذا يجب علي جعلك أقوى لكي لا تخسر امام احد ."
كانت نبرتها كما هي باردة كعادتها ، لكن هذه هي لربما الطف الكلمات التي تقولها لي على الاطلاق .
"إن أردت مني أن أحبك بالطريقة التي تتخيلها، فلن أفعل."
حدقت اعينها بعيناي ، بحزم و وضوح .
"لكنني سأجعلك قويًا بما يكفي لتعيش في عالم لا يهتم إن كنت محبوبًا أم لا."
ظللت صامتا ... قد تكون هذه اقرب جملة للحنان اسمعها منها طوال حياتي .
فزاد الاضطراب داخل قلبي .. ثم دون ان ادرك ، كنت قد محوت المسافة بيني و بينها ، و تمسكت بها باقوى ما لدي .
أمي رفعت يديها في البداية متخذة وضعية دفاعية ، لكنها اخفضتهما سريعا عندما اكتشفت انني لم اهاجمها .. بل سقطت على ركبتاي الاثنتين و عانقت خصرها دافنا وجهي بفستانها النجمي ..
"مالذي تفعله ؟" هي سألت بعبوس
"لا اعلم .." قلت رافضا تركها تذهب .
هي ترددت لوهلة ، لربما كانت تفكر ما إذا يجب عليها طردي بعيدا بقوتها أم لا .
لكنها لم تفعل ، و مدت يدها ببطء واضعة اياها فوق شعري .
شعرت لملمس بارد ، لكنني لم اكره لمستها ، فهي كانت شيئا اشتاق اليه .
حتى و سلبتني حريتي ، و عاملتني ببرود و كأنني لست من لحمها و دمها .. انا حقا .. حقا .. احببت أمي كثيرا .
حبا جماً لا أستطيع التعبير عنه .
لهذا السبب بالذات كنت أتألم الان ، لانني خائف ... خائف من فقدانها .
لقد رأيت مستقبلي ... احد النبوءات اظهرت اودن بدون شك ، كان هو بكل تأكيد .
بمعنى اخر ، اودن ... لن يموت غدا .
كنت خائفا ، لاول مرة على الاطلاق لم اكن متيقنا من ان امي التي دوما ما فازت ، دوما ما اثبتت انها الاقوى ، دوما ما اظهرت بأنه لا يوجد من يستطيع مجاراتها ..
كنت خائفا ، لانني لم اعد واثقا من فوزها ... خائف من انها ستخسر ، خائف من حدوث شيء ما لها .
يجب علي منع حدوث ذلك . مهما كلف الامر .