مرة أخرى ، نجى أغاروث من موت وشيك . ليس بفضل جهوده الخاصة بل بتضحية من فراي .
هذا الاخير باع حريته ، و سلم نفسه للكاتبة الأولى مقابل الابقاء على حياة اغاروث ، و كليا كانت اكثر من سعيدة بقبول صفقة كهذه ، فهذا أكثر ما ارادته طيلة حياتها .
بعد استسلام فراي ، لم يعد هنالك من سبب يقاتل آبراهام لأجله فرمى سيفه بعيدا لكنه لم يبدو راضيا أبدا بما آلت اليه الامور .
رغم ذلك ، هو لم يستطع فعل شيؤ لتغيير النتيجة النهائية او التأثير على صفقة حدثت بين الكاتبة الاولى و ابنها البكر .
وفقا لاتفاقهما ، غادر الجميع عالم ارض البقاء بتلك الليلة ، و تُرك اغاروث بالخلف .
لم تختم قواه ، و لم يقيد بأي شكل من الاشكال ... فلا حاجة لذلك من الاساس . عالم ارض البقاء بحد ذاته كان سجنا له .. سجن لن يغادره أبدا .
و هكذا .. إختفى الجميع قبل ان يعالج اغاروث جروحه حتى .
غادروا الواحد تلوا الاخر امام عينيه ، و لم يتكبد اي منهم عناء النظر اليه .
الأرض التي احتضنت معركتهم كانت تنتمي لكوكب فارغ وقع بأطراف عالم ارض البقاء ، كوكب ضخم و مساحته شاسعة جدا . لكن لا حياة فيه .
في تلك اللحظة ، اغاروث بات المخلوق الوحيد المتبقي ، مخلوق جريح و محطم .
الضرر الذي تسببت به كليا له كان عظيما و مروعا ، فقد استغرق منه علاج نفسه منها وقتا طويلا جدا حتى بعد مغادرتهم جميعا .
فاثير كليا لم يختفي بسهولة و ظل يدمر جسد اغاروث لساعات ... ساعات عاش بها ألما مبرحا .
لكن الألم الجسدي بدا تافها امام الحفرة العميقة التي تشكلت بداخله .
اعينه القرمزية ظلت مركزةً على المكان الذي اختفى به فراي رفقة الكاتبة الاولى ، نظراته كانت مرعبة ، نظرات حملت بداخلها كما لا يوصف من الغضب ، الكراهية ... و الجنون .
بعد مضي بضع ساعات ، استطاع اغاروث تحريك جسده أخيرا ، لكن كل ما استطاع القيام به هو الزحف لا غير .
فزحف ، كالدودة . نحف على الأرض الباردة التي اراد الهرب منها ، لكن لم يقدر .
ثم ببطء ، رفع الوحش الذي يبتلع كل شيء رأسه عاليا و حدق بالسماء البعيدة ، بدا شارذ الذهن غارقا بجحيم القدر الذي فرض عليه . و كأن روحه قد هربت من جسده تاركةً اياه خلفها .
بذلك اليوم ، تغير شيء ما بداخله .
...
...
- منظور اغاروث -
"آه ... يالها من سذاجة ."
لم تكتفي بواحدة ، بل مرتين . مرتين اُنتزعت مني ارادتي .
لقد تألمت ، من كل ذرة بكياني . كان ألما تجاوز الالم الجسدي بكثير و بلغ مستوى آخر تماما .
ألم ذكرني بالشخص الذي سلبني كل شيء ، الكاتبة الاولى .. كليا .
وجهها حفر عميقا بداخلي ، باتت جزءا مني الان ، جزءا لا يتجزأ من كياني ، وجهها .. اعينها الشبيهة بالكون ، هالتها المروعة ، قوتها الجبارة التي لم استطع فعل اي شيء ضدها .
كانت إمرأة لن انساها ما حييت .
"لقد كنت ابحث عن الإجابة الخطأ منذ البداية ."
الكاتبة الاولى جعلتني ادرك اخيرا اين أخطأت ، و لماذا فشلت .
جعلتني افهم لماذا انا هنا الان ازحف فوق هذه الأرض ، غير قادر على الوقوف حتى ..
المشكلة لم تكن بضعفي ، بل انني لم اكن قويا بما يكفي لاجعل ارادة الاخرين بلا قيمة امام ارادتي .
ما فائدة أن أمتلك عقلًا إن كان بوسع أحدهم أن يقرر عني؟
ما فائدة أن أملك قدمين إن كان هناك من يستطيع تحديد الطريق الذي أسلكه؟
وما معنى أن أكون حيًا أصلًا، إن كانت حريتي شيئًا يمكن انتزاعه مني متى ظهر شخص أقوى؟
"أوه .. يا فراي ، يا صانعي .. قلت انني حر ، ألم تفعل ؟ لكن ما هذه بحرية ، بل عبودية مزينة بوهم الاختيار ."
"رغم كونك من لحم و دم تلك العاهرة ، الا انني لم استطع ان اكرهك أبدا مهما حاولت ، و لا اظنني سأكرهك حتى لو ادرت . لكن اتعلم ؟ أظنني فهمت أخيرا . اظنني حصلت على الاجابة ." بصقت كل ما تراكم داخل صدري باعلى صوت ، جاعلا اياه يتردد بكل انحاء هذا الكوكب ، و العالم البائس .
كنت اعلم انني الوحيد هنا ، و انه لن يسمع كلمة مما اقول ، فهو غادر بالفعل ... لكنني اردت قول كل ما لدي على أي حال . ليس لاجله هو ، بل لاجلي انا .
علاقتي بفراي ، علاقتي باخوته و الاب الاعلى ... كلها مجرد قيود تثقل كاهلي ، و انا سئمت القيود .
"لن اضع ارادتي في يد احد مجددا ، لن أثق بأن شخصًا ما سيختار الوقوف إلى جانبي عندما يحين الوقت. لن أتوسل إلى أحد كي يفهمني. لن أحتاج إلى موافقة أحد، ولن أساوم أحدًا على الطريق الذي اخترته لنفسي."
لا احتاج ايا من هذا ، بل احتاج لشيء واحد لا غير . احتاج القوة . لقد فهمت انني لن احصل على الحرية التي ابتغيها الا لو سلبت حرية الاخرين .
"احتاج القوة ، قوة جبارة لا قاع لها ، و لا سقف يقيدها . قوة تجعل من يريد إخضاعي يفكر ألف مرة قبل أن يمد يده نحوي."
لا .. حتى هذا ليس كافيا . ليست هذه بنوع القوة التي ابتغيها .
"أريد قوة تجعل الملوك يخفضون أبصارهم حين أمر . قوة تجعل الجيوش تتراجع لأنني خطوت إلى الأمام. قوة تجعل حتى أولئك الجالسين فوق السماوات يدركون أن مد أيديهم نحوي يعني فقدانها."
"أريدهم ان يشعروا باليأس كلما تردد اسمي على عقولهم !"
"ان يشعروا بالخوف تماما كما فعلت انا عندما واجهتها !."
"اريدهم أن يعيشوا نفس اليأس الذي عشته انا ، ذلك الشعور عندما تقف ضد خصم لا تستطيع بلوغه ، وحش لا يمكن هزيمته او بلوغه مهما حاولت .."
"كيان تنتهي المعركة بمجرد ان تطأ قدمه ساحتها ، هذا نوع الملوك الذي اريد ان اكون ، و هذه هي القوة التي ابتغيها "
"وحين أمتلكها... لن يستطيع أحد أن يسلب مني شيئًا مجددًا."
إن كان الطريق إليها يتطلب التضحية بألف شخص، فليموت ألف. إن احتاج الى الملايين .. المليارات .. فاليكن .
حتى لو كان الثمن عالم أرض البقاء باسره ، فسأدفعه .
"فاليسموني وحشا ، طاغية .. شيطان ، لا يهم ."
"من أجل نيل حريتي ، يجب أن اسلب حرية الاخرين ."
سأسلبها اياهم ، سأسلبهم كل شيء .
"انا حي لسبب ، و هذا يعني انني لا ازال املك فرصة ."
فراي لم يتركني حيا من فراغ ، هو سيعود بكل تأكيد .
"انا واثق انه سيفعل . فهو لا يستطيع البقاء بعيدا عن عالم ارض البقاء ."
سيعود ، و انا سأكون بالانتظار . سأنتظر الفرصة المناسبة و سأنقض عليها بكل ما لدي من قوة .
حتى ذلك الحين ..
"سأنتظر ."
ساعيد تشكيل هذا الجسد المحطم ، و سأبني قوتي مرة اخرى .
سأستخدم قدرتي على الالتهام لاقصى حدودها و ارفع من نفسي قدر المستطاع بين انتظر و اراقب من الظلام .
"مسار الالتهام .."
هذا هو الطريق الذي اخترته ، مسار سيتيح لي بلوغ ما اريد ، عن طريق سلب كل شيء من الاخرين . طريق مظلم اصبحت مستعدا أخيرا للسير به .
"سأنتظرك ، يا فراي ."
قطعت عهدا بتلك الليلة ، عهد لن اخونه لما تبقى من حياتي .
...
...
...
حياة فراي تغيرت بالكامل بعد خضوعه لوالدته ، و بينما كان اغاروث يستعد للمضي بمسار اكثر ظلاما .. وجد فراي نفسه على وشك المضي بمسار مختلف تماما . مسار رسمته كليا من اجله .
منذ اليوم الذي هزم فيه امامها ، أصبح اشبه بدمية تحركها خيوط رفيعة ، خيوط تحكمت بها كليا .
هذه الاخيرة اشرفت على تدريبه بنفسها ، و بدأت تعلمه كل شيء عن المجلس ، الكتاب ... و سادة الضباب .
بشكل عام ، لم يكن اتباع قيادة كليا بذلك السوء فقد زادت قوة فراي تدريجيا كما زاد فهمه للاثير . لكن التغيير لم يقتصر على الزيادة بالقوة .
الكاتبة الاولى هي مخلوق يقف بقمة هرم القوة في عالم الاثير ، وجودها لوحده جعل المجلس مستقرا رغم الحرب المستمرة ضد سادة الضباب .
قدراتها تتعدى ما تكشفه للعلن ، و التسبب بالدمار و الخراب ليس كل ما اجادته .. هي امتلكت سحرا غريبا بتلك الاعين الغريبة خاصتها .
سحر عجيب يتلاعب بمن حولها ، و يغير ما يوجد بنفوسهم تدريجيا .
لم يكن هنالك ما يثبت صحة ذلك ، فلم يُسجل قط امتلاك الكاتبة الاولى لقدرة تسيطر بها على العقول و تتلاعب بالنفوس .
لكن فراي كان شبه متأكد من أنها تفعل بعدما عاش اغلب طفولته يتبع خطاها .
'صوت أمي مميز ، فهو يحمل سحرا عجيبا يخدر الحواس . و يجعل كل من حولها يتصرفون على هواها .' هذا ما إستنتجه فراي عندما رأى والدته كليا تقود المجلس لاتخاذ القرارات التي تناسبها .
رغم انه كانوا شيوخا من اقدم الكتاب على الاطلاق ، و يحمل كل واحد منهم قوة عظيمة خاصة به ، الا ان كليا تلاعبت بهم جميعا .
فراي إستنتج ان هذه قدرة تحتاج الوقت لتعمل بكفاءة ، فكلما زاد زمن التعرض لها ، يصبح تأثيرها اقوى . لهذا السبب بالذات ظل فراي يبتعد عن والدته قدر المستطاع و اختار عالم ارض البقاء ليكون ملاذه الآمن .
لكنه الان بات مجبرا على ملازمتها ، فأصبح مجبرا على البقاء متيقظا طوال الوقت معززا عقله و جسده بالاثير أملاً بأن لا يُسحر بها .
بالوقت نفسه ، تعلم فراي كيفية استخدام الرون الخاص به و استخراج كامل قواه ، بالإضافة للطريقة التي يستطيع من خلالها زيادة كمية الاثير لديه .
و بات على دراية بالعديد من اسرار المجلس ، و العلاقة بين الكتاب و سادة الضباب .
ذات يوم ، كليا احذته الى اعمق نقطة بالمجلس ، و ارته للمرة الأولى سلاحهم الاقوى على الاطلاق .
"اعضاء المجلس يرفضون تسميته بالسلاح ، بل يرمزون اليه بالاداة التي تجلب الحياة ... رغم انني لا اتفق معهم فهذا سلاح بكل تأكيد ."
حاملة اياه بيدها اليمنى ، أظهرت الكاتبة الاولى اداة الخلق لفراي ... أقوى اداة بالعالم .
كانت عبارة عن صولجان طويل و فخم ، يشبه في بنيته إلى حد ما صولجان هرمس لكن بصورة اكثر شيطانية و تعقيدا . اهم ما ميزه هو وجود عشرات الرونيات القديمة التي زينت سطحه الذهبي .
بالجزء العلوي منه تواجدت سبع افواه لسبع مخلوقات اسطورية قديمة لم تعد موجودة بالزمن الحاضر .بعضهم بدو كالتنانين و البعض الاخر اشبه بالافاعي ... بالإضافة الى مخلوقات اخرى غامضة ذات اشكال فريدة من نوعها .
كل واحد من الافواه السبع يحمل جوهرة بنفسجية تشع بضوء عظيم ، و وفقا لكليا .. الجواهر السبع ترمز لاقوى سبع قدرات رونية تحملها الاداة .
و كان الرون الخاص بها احد السبعة .
اداة الخلق يتم توارثها من جيل لآخر و تمنح للكتاب الاوائل فقط . و قبل أن يتم نقلها ... يضع السلف قوة رونه بداخل الصولجان ليزيد قوته و عظمته .
بحلول الوقت الذي وصل فيه الى كليا ، كان الصولجان يحمل عددا كبيرا جدا من القدرات المروعة بالفعل ما جعل قوته كاسحة .
هو لم يكن مجرد صولجان او اداة شديدة القوة ، بل مصدر كل القوى التي حافظت على الكتاب في قمة هرم القوة لسنين طويلة جدا .
منه تأتي القوة التي تحافظ على المجلس ، و مكتبة العوالم الخاصة بالكتاب . و تضمن مصدر طاقة لا ينضب .
أداة الخلق كانت اكثر شيء يطمع به سادة الضباب . المخلوقات التي تعتبر نقيض الكتاب .
سادة الضباب لا يستطيعون استخدام الاثير ، و قوتهم تنبع بالكامل من الاورا . اما الكتاب فهم سادة الاثير ، لكن وعلى عكس سادة الضباب .. هم قادرون على استخدام الاورا ايضا حتى و لو لم يكونوا بنفس الكفاءة .
لكن كل شيء سيتغير اذا ما وقعت اداة الخلق بيد سادة الضباب ، فهي ستمنحهم القدرة على تسخير الاثير .
و لو حدث ذلك و حصل وحوش الاورا على تحكم بالاثير ... أكدت كليا بأن التوازن سيتحطم و لن يستطيع الكتاب الوقوف بوجههم ابدا .
خصوصا الخراب الشاحب اودن ... فهذا الاخير يعتبر كارثة حتى كليا بنفسها لم تكن واثقة من قدرتها على هزيمته ... و لو بات قادرا على استخدام الاثير فلن يحلم احد بلمسه حتى .
"لهذا السبب ، لا يجب ان تقع اداة الخلق بيد سادة الضباب أبدا ." اعادت كليا اداة الخلق لمكانها باعمق نقطة في المجلس ، بعدما شرحت لفراي حقيقة رغبة سادة الضباب بها .
"الوضع اكثر خطورة مما ظننت فهذه تظل اداة ملموسة يمكن سرقتها مهما بلغت قوة الحماية عليها .." قال فراي بعبوس مدركا كم هو سهل ان تحدث الكارثة .
فحتى و لو اخفوا الاداة بعيدا ، من الممكن لاحد سادة الضباب سرقتها ذات يوم بطريقة ما .
لحسن الحظ ، الامر لم يكن بتلك السهولة .
"حتى لو اخذوها ، هم لن يتمكنوا من استخدامها ." ردت كليا ، و كشفت عن حقيقة مهمة اخرى .
"اداة الخلق لا يمكن ان تستخدم سوى بواسطة الشخص المختار لامتلاكها ."
كاشفة عن راحة يدها ، اظهرت كليا رونية فريدة منقوشة على يدها ، رونية تعتبر بمثابة مفتاح .
بدونه ، لا يمكن استخدام قدرات الاداة أبدا و تصبح الاداة دون فائدة تذكر ...
"اذا ما ارادوا استخدامها ، سيكون عليهم قتل حامل المفتاح اولا ، اي قتلي انا او قطع الاتصال بيني و بين الاداة الخلق بطريقة ما . و هذا أمر لن اسمح به أبدا ."
الكاتبة الاولى تعتبر زناد الامان بالسلاح الاكثر قوة على الاطلاق . فلا يمكن استخدامه دون المرور بها اولا . ولا وجود لحماية اقوى من هذه .
"الذي اخترع هذه الاداة لم يكن غبيا ، فقد فكر باحتمال تعرضها للسرقة مسبقا و اعد تدابير مضادة ."
لهذا السبب لم تسرق اداة الخلق أبدا . رغم ان الخراب الشاحب كاد ينجح بالوصول اليها ذات مرة عندما واجه الابطال السبع بالماضي البعيد .
"لماذا .. تخبرينني بكل هذا ؟" سأل فراي مستغربا من كشف والدته لكل هذه المعلومات له .
كليا نظرت اليه بصمت لبضع ثوان ، قبل ان تمنحه الاجابة .
"لأنك سترث هذه الاداة ذات يوم ، لذا يجب ان تعرف هذا القدر على الاقل ."
بتلك اللحظة فهم فراي جيدا .. أنه لم يكن مجرد مرشح ، بل الشخص التالي الذي قدر له حمل لقب الكاتب الاول .. كليا اختارته بالفعل ما يجعله الوريث ، الذي ستقع اداة الخلق بيده يوما ما .
قوة جبارة لم يعرف أبدا ما يجب أن يفعله بها .