-منظور اودري-

شاهدت من بعيد المعركة بين الام و الاب و الابن ، غير قادرة على التدخل او الاتيان بأي حركة .

كل ما استطعت القيام به هو حماية سيث من صدمات الاثير التي تركتها هجماتهم .

الاب الاعلى .. آبراهام قرر اخذ جانب فراي على عكس ما توقعت . و اختار أن يقاتل ضد الكاتبة الاولى .

انا لم افهم .. لماذا ؟

لو هزم فراي و مات هنا بعالم ارض البقاء فسيجبر على النهوض بالعالم الحقيقي و سيموت اغاروث . اذا ما مات هذا الاخير فكل شيء سيصبح على ما يرام .

كنت اعلم ان فراي لم يستطيع أبدا هزيمة الكاتبة الأولى كليا ، رغم انه ابلى ضدها افضل بكثير مما ظننت . لكنه لا يزال يخسر على اي حال .

لكن السيد آبراهام دمر كل شيء ، و رغم انني لا اظنه قادرا على الاطاحة بالكاتبة الاولى حتى و لو اصطف مع ابنه ، الا ان النتيجة النهائية باتت غير مؤكدة بتدخله .. فهو رجل لا يمكن توقعه بسهولة و يملك خبرة طويلة جدا ..

"لماذا .. لماذا يريد انقاذه ؟" عضضت شفتي دون وعي مني ، بينما اتجهت انظاري ناحية اغاروث تلقائيا .

ذلك الوحش كان هناك .. راقدا وسط بركة من الدم و الاورا المبعثرة ، يحاول تجديد نفسه بعدما تسببت له الكاتبة الاولى بقدر مرعب من الضرر .

كان بحالة مزرية و مؤسفة ، مثير للشفقة لا يستطيع اعادة بناء جسده حتى .. لكن عينيه .

تلك الاعين الحمراء ، اعين تختبئ تحت ستارة من ضباب اسود و هالة حالكة ... بمجرد النظر اليه ، شعرت بقشعريرة باردة تسري بكامل انحاء جسدي .

اذا ما استطاعت النظرات وحدها ان تقتل ، فلقتل اغاروث الكاتبة الاولى ألف مرة على الاقل .

اهذا كله غضب ؟ اهذه كلها كراهية ؟

لم ارى بحياتي مشاعر قوية كهذه ، مشاعر سلبية مروعة لدرجة انها تحولت لهالة .

ظلام كثيف احاط به من كل حدب و صوب ، و اثارت الخوف بقلبي ...

لطالما علمت يقينا بأنه يخفي ظلاما بداخله ، ظلام مروع لا ينبع سوى من وحش ، فلا وجود لمخلوق مكتوب مثله .

اما الان ، فقد زدت تمسكا بما كنت أؤمن به ..

"لا يجب ان يسمح له بأن يعيش .. هو سيموت هنا ." حشدت شجاعتي ، و استجمعت قوتي ... حتى لو عنى الامر التدخل بالقتال و جعل فراي يكرهني لاحقا ..

إذا ما اقتضت الحاجة ، سأنضم الى سيدتي و اقاتل معها ..

هذا ما عقدت العزم على القيام به ، لكنني ادركت سريعا ... انها لربما لم تحتاج مساعدتي من أساسا .

آبراهام كان قويا جدا ، لكن سيدتي لم تبدو و كأنها تعاني أبدا .

الاب الاعلى يمتلك رونا قويا يضخم قواه و يضاعفها عدة مرات اثناء القتال ، فمادام قادرا على التحمل ... قوته ستزيد بشكل مستمر .

اسلوب قتاله شبيه جدا بفراي ، يستخدم سيفين واحد من اثير و اخر من اورا . و كان هذا منطقيا بما انه هو من علم فراي السيافة .

آبراهام هاجم سيدتي ، و حاول قطعها بجدية دون تراجع رغم علمه بأنها تستخدم جسدها الحقيقي .

فهي دخلت عبر ممر سيث على عكسنا نحن الذين تركنا اجسامنا الحقيقية خارج عالم ارض البقاء . فإذا ماتت كليا هنا هذا يعني موتها بالعالم الاثيري ايضا .

آبراهام و فراي لم يترددا رغم ذلك ، و هاجماها بكل قوتهما . و لم أستطع لومهما فالتراجع ضد الكاتبة الاولى يعد بمثابة انتحار .

كليا صدت سيوفهما بواسطة اذرعها العارية لا غير .. فتعزيز الاثير لجسدها يجعلها بغاية القوة ، و فستانها النجمي قوي ايضا .. فبالكاد اخترقه فراي سابقا باستخدام اقوى ضرباته .

كان ثلاثتهم يملكون سرعة جنونية جعلتني بالكاد قادرةً على مواكبة تحركاتهم .

من حين لآخر كانت افواه الثلاثة تتحرك ، ما اثبت انهم خاضوا محادثة من نوع ما ، حوار لم أستطع سماعه ابدا فانا بالكاد كنت قادرة على تتبع حركاتهم عندما اركز باقصى ما لدي .

بدت سيدتي غاضبة ، و هذا بدا جليا من الطريقة التي قاتلت بها .

آبراهام تولى المقدمة و قاتلها وجها لوجه ، سيوفه تراقصت بين يديه و كأنها امتداد لاطراف جسده ، كان سريعا جدا و هاجم بدقة مستهدفا المناطق الحيوية لا غير .

بكل ثانية تمر ، كان يسدد الف ضربة على الاقل لكن ايا منها لم تصب هدفها .

الكاتبة الاولى صدت كل شيء بذراعيها لا غير ، ثم اطلقت موجة طاردة من الاثير .. قوية بما فيه الكفاية لابعاد آبراهام عنها عشرات الامتار رغم محاولته المقاومة بكل ما لديه .

بمجرد فتحها للمسافة ، كليا امطرته بمئات اعمدة الاثير السالب من كل الجهات .

آبراهام دافع بشراسة قاطعا اياها الواحدة تلوا الاخرى ، و بالكاد صمد بضع ثوان قبل ان يتحطم احد سيوفه ..

"تعزيز !" هو صرخ بصوت عال بمجرد تعرضه للحصار ، فانبثق سيف جديد بدل المحطم ، و زادت قوته و حجم الهالة الخاصة به ثم بدأ يدافع من جديد ضد قذائف الاثير الخاصة بكليا .

رغم زيادته لقوته ، الا انه ظل عالقا ضد اعمدة الاثير و لم يستطع الاقتراب قط .

سيدتي تعمدت ابقاءه محاصرا لكي تنفرد بفراي ، فقوة هذا الاخير شكلت خطورة اكبر عليها بما انه يملك نفس قوة الرون الخاصة بها .

سيف فراي دمج بين الاثير و الاورا ، و امتلك خواص الاثنين ما جعله تحطيمه شبه مستحيل . كان يقطع قذائف الاثير بتلويحة واحدة ، و استطاع التسبب بضرر حقيقي لفستانها النجمي .

لكن لم يكن كافيا لجعله يكتسب افضلية ضدها .

جسد سيدتي اشتعل بنار بنفسجية هادرة ، و بدأت تطلقها بكل مكان ... نار مرعبة تلتهم كل شيء .

تلك لم تكن قوة رون ، بل الاثير الخاص بها بعدما هاج بسبب غضبها ، فتحول لقوة مروعة تحرق كل شيء .

فراي و آبراهام حاولا ايقافها عن طريق الانقضاض عليها بوقت واحد ، فقط ليتم رميهما بعيدا بمجرد اقترابهما منها .

رماح الاثير طاردتهما فورا بعد ذلك ، رفقة العديد من الاعمدة و القذائف . محاصرةً اياهما تماما .

الدفاع ضد وابل الهجمات الاثيرية ذاك تطلب منهما جل طاقتهما و تركيزهما ، و بالكاد إستطاعا النجاة منه مع بعض الاصابات ، فقط ليجدا كليا تطير فوق رؤوسهما تمد يدها عاليا نحو السماء .

و فوق تلك اليد ، تشكلت شمس اثير عملاقة بنفسجية اللون تشتعل بقوة مهولة ، كانت هائلة و مرعبة ... و كأنها خلقت نجما كاملاً من الاثير ..

هذا القدر منه ..

"فقط .. كم تبلغ كمية الاثير لديها ؟" وجدت نفسي اتساءل و الرعب يتملكني .

الاثير قوي جدا ، اقوى من الاورا بالاحوال العادية ... لهذا السبب هو يحترق بسرعة شديدة ولا يمكن استخدامه بشكل مكثف باستمرار .

هذه هي القاعدة التي يخضع لها كل الكتاب .. الجميع ، ما عداها هي .

الكاتبة الاولى استخدمته دون قيود ، و بدون ان تظهر عليها اي علامات للاستنزاف . و كأنها تتنفس الاثير .

سيدتي حملت نجم الاثير ذاك بيد واحدة ، و حدقت بزوجها و ابنها البكر لثانية واحدة قبل ان ترميه عليهم دون تردد .

النجم كان هائلا و لن يمحو آبراهام و فراي فحسب لو اصابهما ، بل سيمحي كل اشكال الحياة هنا بما في ذلك انا و سيث ... و اغاروث .

بدت تلك كنهاية مناسبة ، لكنني استخففت بما يقدر الاب الأعلى عليه ..

فآبراهام اندفع ناحية نجم الاثير دون تردد ، مطلقا تقنية غريبة لم اراه يستخدمها من قبل ..

كان هجوما سريعا جدا .. اسرع من اي شيء رأيته حتى الان ، فبدا و كأن سيوف آبراهام قد تضاعفت آلاف الاضعاف ، و استطاع اطلاق عدد مهول من الضربات بشكل شبه فوري .

ضربة واحدة ما كانت لتوقف نجم الاثير ذاك ابدا ، لكن آلاف الهجمات القاعطة اثبتت انها تستطيع .

الاب الاعلى محا نجم الاثير بهجمات قاطعة بيضاء و بنفسجية اللون من اورا نقية و اثير مدمر . رغم انه حرق الكثير من قوته على الارجح .

برؤية مدى قوة الاب الاعلى ، ترددت للحظة و اعتقدت لوهلة انه يملك رفقة فراي الفرصة حقا .. فرصة للفوز .

فإذا بسيدتي تمحي اعتقادي هذا فورا ..

وجدت نفسي ارتعش ، و فهمت أخيرا لماذا اعتمد المجلس على كليا لقتال اودن في حال عودته ، فانا رأيت أخيرا لمحة من قوتها الحقيقية .

و بالمثل .. فعل كل من آبراهام و فراي .

فبمجرد صد الاب الاعلى لنجم الاثير المحترق ، كانت كليا قد انتهت من تجهيز هجومها القادم بالفعل .

لقد كان نجم اثير آخر .. اكبر بكثير من الذي صده آبراهام قبل قليل ، لكن المرعب بالامر لم يكن حجم ذلك النجم .. بل حقيقة انها لم تصنع واحدا فقط . و لا اثنان ..

بل العشرات .. عشرات نجوم الاثير كل واحد منها يحمل بداخلها كما مهولا من قوة رون المحو الخاص بها .

سماء الفضاء السوداء اصبحت بنفسجية مشعة ، متأثرة بقوتها الجبارة ... قوة شعر بها كل مخلوق حي داخل عالم ارض البقاء بكل تأكيد .

الكاتبة الاولى امتلكت قوة تكفي لابادة عالم كامل بمفردها .

هي لم تترك لخصومها شيئا ... سوى اليأس .

...

...

-منظور فراي ستارلايت-

كنت أعلم أنني لا أستطيع هزيمتها ، أمي اقوى مني بكثير و قد تقبلت هذه الحقيقة منذ امد بعيد .

لكنني أردت أن احاول على الاقل ، و الان بعدما انضم ابي الي ، ظننت حقا اننا سنحظى بفرصة مهما بدت ضئيلة .. فرصة للفوز .

لكنني لم اتخيل أبدا ... ان الفرق بيننا و بين تلك المرأة شاسع لهذه الدرجة .

"أحقا .. يمكن لمخلوق ان يمتلك قوة كهذه ؟ اهذا مسموح حتى ؟"

إرتخت قبضتي من حول سيفي ، و وجدت نفسي احد نحو نجوم الاثير العملاقة التي دنت نحونا من السماء .

لطالما ترددت الشائعات حول قوة الكاتبة الاولى كليا ، قيل انها تمتلك مخزون اثير لا نهائي ، تماما كما تمتلك اودري اورا لا نهائية .

قيل ان اعينها الغريبة تلك الشبيهة بالاكوان هي بالحقيقة تحمل بداخلها اثير بغطي اكوانا كاملة .

كانت مجرد اشاعات لم اصدقها قط ، لكنني بدأت اليوم اصدق بها فعلا .

اثير امي مميز ، و يتغير حسب مشاعرها و حالتها النفسية .. يكون باردا جدا بالعادة خاليا من اي اثر للحياة .. و يصبح نارا متأججة عندما تكون غاضبة ..

بكلتا الحالتين ، هي كانت ساحقة .

امامها ، وجدت نفسي اشعر بشعور لم يمنحني اياه اي خصم على الاطلاق ، شعرت بيأس .. يأس عميق فحتى مخيلتي فشلت بتخيل طريقة اهزمها بها .

كل هذا و هي لا تستخدم اداة الخلق حتى ..

"فراي ... " نادى احدهم باسمي ما جعلني التفت ناحيته مستفيقا من ذهولي .. لقد كان ابي .

هذا الاخير وقف امامي حاجبا والدتي عني ، اعينه على عكسي هادئة رغم الكارثة التي اوشكت على النزول فوق رؤوسنا .

هو استدار ناحيتي ، مبتسما بتكلف .

"خذ اغاروث ، و أهرب من هنا . جد حلاً ." حثني على الهرب ، اخبرني بأن اغادر رفقة اغاروث ..

لم اعطه ردا فوريا .. بل التزمت الصمت .

حتى لو هربت ... اين يمكنني الهرب ؟ و هل أستطيع الهرب من الاساس ؟ منها هي ؟

لا ... هي ستجدني ايا كان ركن عالم ارض البقاء الذي اختبئ فيه ..

"سأتعامل مع هجومها القادم ، لكن هذا اقصى ما أستطيع تقديمه لك .. لذا فالتستغل تضحيتي هذه بحكمة " ضحك ابي بخفة ، و لم يبدو مترددا ابدا .

صحيح انه لن يموت حتى لو تحطم جسده هنا بارض البقاء ، لكن شعور الموت سيظل نفسه سواءا بالخارج او بهذا العالم .

"أبي .. لماذا تساعدني ؟ لما تذهب الى هذا الحد من اجلي ؟" من بين كل ما استطعت قوله بتلك اللحظة .. وجدت نفسي اطرح هذا السؤال بالذات .

انا لم اخبره حول اهمية اغاروث ، و لم احكي له عن الرؤى التي حصلت عليها من العرافة ايضا .

لم ابح له بأي شيء ، لا شيء على الاطلاق . إذا لماذا يختار جانبي ؟ فأي عاقل كان سيعطي الاحقية لوالدتي . حتى انا كنت لافعل .

"لانني أؤمن بك يا بني ." هو اجابني مغمضا اعينه بهدوء و وقار .

ظل هادئا منذ البداية ، و حتى النهاية ... كان سببه الوحيد لمساعدتي هو ايمانه بي لا غير .

كان سببا سخيفا ، سبب مبني على مشاعر فحسب و ليس وقائع مثبة او معلومات مؤكدة .

اختار القتال ضد زوجته الكاتبة الاولى لسبب سخيف كهذا ...

"أبي ... انا ..."

رغم انه كان سببا سخيفا ، الا انني وجدت نفسي غير قادر على تشكيل جملة واحدة صحيحة للرد عليه . فقد فاض شيء ما داخل صدري .

يؤمن بي ؟

متى كانت اخر مرة .. سمعت بها كلمات كهذه ؟

امي رمت نجوم الاثير الحارقة تلك نحونا ، و ابي بدأ بحشد كل ما لديه من قوة استعدادا لاطلاق هجمة نهائية كبيرة من نوع ما .

واحدة تكفي لصد كارثة الاثير تلك ..

شعره الابيض توهج بشدة ، و جسده بدأ يبعث تموجات الاورا و الاثير بكميات مرعبة .. هو حقا اراد حرق كل قوته لمنحي الفرصة .

"هذا غير عادل .. يا ابي ." ناديته من الخلف ، بينما رسم وجهي ابتسامة . لا اعلم كيف بدوت بتلك اللحظة لكنني واثق بانها ابتسامة عكست مشاعري الحقيقية ، و ليس تلك المصطنعة التي اضعها عادةً .

"فراي .. ماذا انت بفاعل ؟!" ظهر الذعر بشكل جلي على ابي للمرة الاولى أخيرا بعدما رأى ما اوشكت على القيام به .

رافعا سيف المحو الخاص بي عاليا ، تركت قوتي تتدفق دون حدود . بينما ابتسمت لوالدي : "كيف تريدني ان اهرب بعد كلامك الاخير ؟ لا .. انا لن اهرب ."

"لن اهرب و اتركك خلفي أبدا ."

اتخذت قراري ، و رفعت رأسي ناحية والدتي ماحيا الابتسامة على وجهي متحولا بذلك الى عبوس مطلق .

لكي اتصدى لهجومها الكاسح ، وجب علي استخراج كل ما أستطيع حشده من قوة ، ثم دمجها مع الرون الخاص بي .

كانت لدي فكرة عما اريد فعله ، لكنني لم اجربها على أرض الواقع قط . هجوم قوي بما فيه الكفاية لمقارعة والدتي .

هي قالت بانني املك الموهبة لبلوغ مستواها .. بأنني انا الوحيد الذي يستطيع الوقوف بنفس الطبقة التي تقف بها هي .

"سأراهن على كلامك إذا .. ايتها الكاتبة الاولى !!!!"

حاشدا كل ما لدي من قوة ، سخرت الاثير و الاورا بشكل متساوي . و طبقت نفس المبدأ الذي استخدمه بسيف المحو .

سلاح يدمج كلا القوتين ، ثم لجأت لاسلوب مشابه لهجمة ابي الاخيرة التي قطع نجم الاثير بواستطها ..

التحكم بالاثير الذي تعلمته من والدتي ، و اسلوب السيف الخاص بوالدي بالإضافة لقوتي الخاصة .

سخرت كل ما تعلمته بحياتي حتى الان ، في سبيل الاتيان بتقنية جديدة تستطيع رد قوة امي الجبارة ..

شعرت صدري يحترق ، و رأسي يكاد بنفجر من شدة الضغط الذي فرضته على نفسي ، لكنني كنت عازما على اتمامها مهما كلف الامر .

هذه المرة ، لن اصنع سيفا فحسب ، بل ما هو أكثر من ذلك بكثير !

في البداية ، امي لم تبدو مبالية اطلاقا بما حاولت القيام به .

كانت متأكدة من انها ستدفنني بنجوم الاثير تلك ...

لكن كل شيء قد تغير بلحظة واحدة بعدما شعرت اخيرا بقوة الاثير المدموج بالاورا ..

اعينها المظلمة توسعت ببطء ، ملقية بنظرة على ما صنعت .

من حولي ، ظهر 5 اطياف .

اشبه بنسخ مني ، اشباح رمادية تغطيها هالات سوداء .

كل واحد منها يحمل سيفا مشابها لذاك الخاص بي ، اعينهم جميعا تتوهج بضوء ابيض براق ينتظروني اشارتي من اجل اطلاق العنان لكل تلك القوة المتفجرة بداخلهم .

متخذا وضعيتي القتالية التي اتخذتها ملايين المرات طيلة حياتي ، انحنت الاطياف هي الاخرى منفذة الوضعية ذاتها .

"النصل الطيفي: الإعدام اللامتناهي ."

اطلقت العنان لكل ما لدي بهذه الهجمة ، و بدأت الوح بسيفي باسرع ما لدي .

الاطياف الخمس فعلت الشيء ذاته ، و قامت بمزامنتي بشكل مثالي .

ملوحين بسيوفهم ، هاجمت الاشباح معي و اغرقنا العالم بالسواد . ظلام حالك ابتلع نار الاثير المتأججة الخاصة بالكاتبة الاولى .

امام اعينها ، إمتلأ الفضاء بمسارات متقاطعة من ضوء النصل المظلم ، مئات .. بل آلاف الخطوط الرفيعة التي شقت الهواء من كل زاوية ، كما لو انها قد حدثت جميعها في اللحظة ذاتها .

اقواس النصل شطرت نجوم الاثير الحارقة ، تماما كما فعل والدي سابقا .. لكن على مدى اكبر بكثير هذه المرة .. و بسرعة اعلى .

السماء عادت لسوادها بعدما اتذخذت صبغة بنفسجية سابقا بسبب اثير والدتي ، و بالنهاية ... لم يتبقى شيء بها سوى آثار القطع .. شبكة كثيفة من الاقواس و الخطوط المضيئة ، رفقة اطيافي الخمسة التي بدات تختفي تدريجيا بعدما عاثت الفوضى بكل مكان .

بمجرد اختفاء الاشباح الخمس ، سقطت ارضا انا الاخر الهث من اجل الهواء ...

شعرت بجسدي فارغا ، و كأنني استنزفت كل الدم بعروقي و لم يتبقى شيء بداخلي سوى الفراغ .

أمي كانت بخير ، فالنصيل الطيفي لم يبلغها للاسف بعدما إستحضرت عدة طبقات دفاعية من الاثير حول نفسها ..

لكنني كنت سعيدا بما حققته ، فانا رأيت الصدمة بشكل جلي على وجهها ، لابد انني تجاوزت توقعاتها حقا هذه المرة .

الصدمة نفسها كانت مرسومة على وجه ابي ، و جميع من شاهد . لكنها لم تدم طويلا ، فسرعانما عاد ضغط الاثير المروع مرة اخرى مذكرا ايانا ان المعركة لم تنتهي بعد .

ثم من العدم ... تردد صوت التصفيق .

كانت امي .. هي صفقت بحرارة . و صوت عالٍ تردد بكل مكان .

"عمل رائع ، احسنت صنعا يا فراي ... فإذا كانت مفاجأتي ما تبتغيه ، فقد فاجأتني بالفعل ." صفقت مرة اخيرة ، قبل ان تتوقف اخيرا .

الاثير الخاص بها لم يعد مهتاجا كما كان ، و عادت لبرودها المعتاد ما دل على ان غضبها قد زال تماما .

"لقد ابهرتني ، لكن ماذا بعد ؟" هي سألت . و على عكسي انا المنهك الذي لم تتبقى لي اي قوة .

كانت والدتي لا تزال تصدر نفس الضغط المروع و كأن المعركة لم تبدأ بعد .

بينما بالكاد استطعت التنفس بشكل صحيح ، كانت امي قد اعادت السماء للون البنفسجي مرة اخرى .

هذه المرة ، هي غطتها برماح عظيمة لا نهائية بنفس عدد حبات المطر الغزير .

الكاتبة الاولى كانت ببساطة ... ساحقة لا يمكن بلوغها .

"الم اعلمك الا تدخل معارك خاسرة يا فراي ؟" مصوبةً رؤوس الرماح ناحيتي ، هي سيطرت على الفضاء باكمله . بينما عاتبتني .

"ضربات السيف المبهرة تلك ، و دمجك للاثير و الاورا معا ... بالإضافة لمساعدة والدك لك . كنت تعرف مسبقا بان ايا من هذا لن يكون كافيا . لكنك خضت هذه المعركة على اي حال ."

"بهذا انت اثبتت كلامي .. فقد سبق و اخبرتك ، قد تدعي البرود فقط عندما تكون الامور سهلة و لصالحك ، لكنك بالواقع ضعيف و سريع التعلق ... تترك مشاعرك تقودك ، فلو حكمت عقلك لادركت ان قتالي بدون معنى ."

رن كلامها عميقا داخل عقلي ، و كأنها تتحدث بجانب اذني بواسطة مكبر صوت ، لقد كانت تضخم صوتها بالاثير عمدا .

لكنني لم اهتم لكلمة مما قالته ، فانا احتجت للخروج بحل ما سريعا .

مديرا رأسي ناحية ابي .. وجدته قريبا مني مستعدا للقتال ، لكنه لن يستطيع فعل شيء لامي . اودري و سيث كانا هنا أيضا .

لكن الاولى كانت ضدي ، و الثاني مستنزف لا يستطيع تغيير شيء .

ثم هنالك اغاروث ... الشخص الذي بدأ كل ما يحدث الان من اجله .

نظرت اليه ، و بالمثل ... حدق بي هو الاخر . فشعرت بغضبه فورا .

كان اشبه بمفترس جريح يلعق جروحه ، بركان خامد يهدد بالانفجار باي لحظة .

نظرة واحدة عليه جعلتني ادرك .. أنه سيتحول فعلا لتلك الكارثة التي تحدثت عنها العرافة .. و التي رأيتها بالرؤى الخمس لمستقبلي .

كما ظننت تماما .. محاولة العبث بالمصير لن تؤدي سوى الى واحد اكثر ظلاما بكل مرة . و لو مات اغاروث هنا ، فسنموت جميعا لاحقا . هذا ما تأكدت منه بعدما رأيت بعيناي الاثنتان كيف يتغير المستقبل كلما حاول احد ما العبث به .

لذا .. ومهما كلف الامر ، انا لن اسمح لامي بان تقتل اغاروث .

و انا اعلم جيدا الطريقة الصحيحة لتحقيق ذلك .

آخذا نفسا عميقا ، و مغمضا عيناي بشدة لمرة اخيرة ... وقفت من جديد مواجها الكاتبة الاولى .

"لنعقد صفقة ، يا امي ." قلت باكثر صوت ثابت استطعت اخراجه . قبل ان تقوم بدفننا بتلك الرماح .

"صفقة ؟" هي امالت رأسها باستخفاف " اي نوع من الصفقات ؟"

ردا ، اجبت بصراحة .

"صفقة تجنب حياة اغاروث ."

الكاتبة الأولى تنهدت خائبة الامل ازاء سماع هذا ..

"لا . هو سيموت ولا شيء سيحول دون ذلك ." هي حسمت قرارها منذ وقت طويل بالفعل ، ولاشيء سيغير رأيها .

من الجانب .. لمحت ابي يحدق بي و الحيرة بادية عليه .. لابد انه تساءل عما انوي القيام به .

لا .. بمعرفتي به ، لابد انه استنتج كل شيء بالفعل ، لهذا السبب رمقني بتلك النظرات و كأنه يترجاني الا افعل .

'آسف يا ابي .. فلا خيار اخر امامي .'

مستديرا ناحية امي مرة اخيرة ، عرضت جانبي من الصفقة .. الجانب الذي لن ترفضه امي أبدا ..

"لا تنوين القبول ؟ حتى ولو كنت انا المقابل ؟" اشرت لنفسي بثقة . فترددت امي رغم انها حاولت اخفاء ذلك . لكنني رأيت من خلالها بوضوح .

"اشرح كلامك ." هي طالبت . فلبيت لها طلبها بكل سرور .

"سأسير بالطريق الذي رسمتهِ لي ، و ارث لقبك ... مقابل حياة اغاروث ."

هذه كانت الورقة الاخيرة التي أستطيع استخدامها .. و لم يتبقى لي غيرها . لقد تخليت عن حريتي للتو ، و سأخضع لامي بالكامل في حال قبولها لهذه الصفقة .

لطالما ارادتني ان اسير على خطاها ، و اصبح الكاتب الاول كما فعلت هي ، لكنني رفضت ذلك الطريق دوما ، و اخترت السير بمساري الخاص .

لأكون صريحا ، انا لم أكن متأكدا انها ستقبل حتى ولو عرضت شيئا كهذا .

لكن تلك الابتسامة التي شقت وجهها بمجرد سماعها لعرضي ، و النظرة المرعبة التي رمقتني بها قد أكدت لي كل شيء بالفعل ..

"موافقة !!" صرخت أمي بصوت عالٍ غير قادرة على اخفاء حماسها ..

و وجدت نفسي ابتسم ساخرا من نفسي ازاء ذلك ..

إذا بنظر امي ... إتباعي لارثها اهم من كارثة كأغاروث ...

"ياللسخرية ."

بتلك الليلة ، و بداخل عالمي الخاص ... انا تخليت عن حريتي و بعت نفسي للكاتبة الاولى .

2026/08/25 · 111 مشاهدة · 3561 كلمة
نادي الروايات - 2026