وقف فارد على صخرة مرتفعة قليلاً، ينظر إلى الجبل الذي سيصبح موطنهم الجديد. كان جبل كانط الفضي مهيباً، ضخماً، وكأنه عملاق رمادي نائم في وسط السهل. لونه فضي مائل للزرقة تحت أشعة الشمس، وتشق صخوره عروق بيضاء كالندبات القديمة. كانت القمة مغطاة بطبقة رقيقة من الثلج، رغم أن الجو في السهل كان دافئاً.
التفت فارد إلى غورد، الذي كان يقف بجانبه ويداه على خصره، ينظر إلى الجبل بعينين تقديريتين.
"لن نستقر هنا مباشرة يا غورد. سنبتعد عن الجبل كيلومتراً واحداً تقريباً."
رفع غورد حاجبيه في دهشة: "سيدي، لماذا؟ الجبل يوفر حماية طبيعية، ويحجب الرياح. لماذا نبتعد عنه؟"
نظر فارد إلى الجبل، يتذكر تحليل قراند بلو للأرض.
"الجبال هنا تحتوي على مادة تسمى النترات. إنها مفيدة لنا في المستقبل، لكن التعرض المباشر لها بكميات كبيرة مضر للبشر. استنشاق غبارها قد يسبب السعال والمرض. كما أن مياه الأمطار التي تجري من الجبل تحمل نسبة عالية من هذه المادة، وقد تتسرب إلى الآبار القريبة. الأفضل أن نبتعد قليلاً، ونحفر آبارنا بعيداً عن تأثير الجبل."
نظر غورد إلى الجبل، ثم إلى فارد، وكأنه يحاول فهم ما يقوله.
"النترات؟ سيدي، لم أسمع بهذه الكلمة من قبل. وما الذي يجعلك تعرف عنها؟"
ابتسم فارد ابتسامة غامضة: "سأشرح لك لاحقاً، في الوقت المناسب. الآن، هل يوجد أي شخص هنا يمكنه دراسة الأرض وتخطيط المكان قبل أن نستقر؟ لست أريد أن نضع خيامنا عشوائياً، ثم نكتشف أننا فوق مستنقع أو أرض غير صالحة."
فكر غورد لحظة ثم هز رأسه: "يوجد فارس يدعى موروس. كان متعقباً في جيش سيريث قبل أن ينضم إلى خدمة والدك. يجيد قراءة الأرض، يعرف أين تجري المياه الجوفية، وأين التربة صلبة وأين رخوة. يمكنه تقييم المكان لنا."
أشار فارد بيده: "أحضره إليّ."
انطلق غورد نحو مجموعة الفرسان، وبعد دقائق عاد ومعه فارس نحيل في منتصف الثلاثينيات. كان وجهه مدبوغاً من الشمس، وعيناه حادتان تتحركان بسرعة كأنهما تمسحان كل شيء حولهما. كان يحمل قوساً على ظهره، وسكيناً طويلاً في حزامه.
"سيدي، هذا موروس."
انحنى موروس باحترام: "سمعت أنك تريد مني استكشاف الأرض، سيدي."
أومأ فارد: "أريد تقييماً كاملاً للمنطقة المحيطة. مساحة لا تقل عن عشرة كيلومترات مربعة. أريد أن تعرف أين أفضل موقع للخيام، وأين مصدر المياه الأقرب، وما إذا كانت الأرض صالحة للزراعة. خذ حصانك وابدأ مباشرة."
قال موروس وهو يركب حصانه: "لن تخيب ظنك سيدي، سأعود قبل الغروب." وانطلق مسرعاً، اختفى خلف تلة قريبة في دقائق.
نظر فارد إلى غورد الذي كان يراقب موروس يغيب في الأفق: "غورد، هل لدينا طعام كافٍ لليلة؟"
"لا سيدي. كان الطعام الذي أحضرناه من سيريث قد انتهى بالأمس. كنا نأمل أن نصل إلى منطقة بها صيد قبل أن ننفد بالكامل."
"إذاً سنصطاد الليلة."
رفع فارد صوته ونادى: "ليور!"
جاء ليور مسرعاً، وكأنه كان ينتظر أن يُنادى. وجهه الصبياني يحمل حماساً لا يخفيه: "سيدي!"
"خذ عشرة فرسان، وانطلق نحو الغرب. هناك أرى بعض الظلال تتحرك، ربما قطيع من الظباء أو نوع من الغزلان البرية. عودوا بما تستطيعون صيده."
انحنى ليور بسرعة وانطلق نحو الفرسان يختار رجاله. بعد دقائق، كان الفريق الصغير يختفي خلف التلال، وغبار الحوافر يملأ الهواء للحظة ثم يهدأ.
التفت فارد إلى غورد مرة أخرى: "لا نكتفي بفريق واحد. لدينا مئة فارس، وقريباً أربعمئة عبد وجيش كامل سيحتاجون الطعام. قسم الفرسان إلى مجموعات من عشرة، واجعل كل مجموعة تذهب إلى اتجاه مختلف للصيد واستكشاف الأرض. اجعلهم يعودون قبل الغروب، ولا يبتعدوا أكثر من ساعتين سيراً عن المخيم."
نظر غورد إلى فارد للحظة، ثم هز رأسه وكأنه يستسلم لفكرة لا يفهمها: "كما تريد، سيدي."
ترجل غورد عن حصانه، ورفع صوته بصوت قائد عسكري معتاد على إصدار الأوامر:
"يا فرسان الإيرل، انتباه!"
توقف الجميع عن حركتهم، وتحولت العيون نحو غورد. كان صوته يملأ الفضاء، قاسياً وحازماً.
"على أسماء القادة التقدم!"
تقدم تسعة فرسان، وجوههم مختلفة لكن عيونهم متشابهة: عيون رجال عرفوا القتال والمعاناة. كان بينهم طارق، رجل أسمر البشرة ذو لحية كثيفة، ومارتن، شاب أشقر نحيل يحمل سيفاً طويلاً، وأرتو، رجل عريض المنكبين بوجه يغطيه ندب قديم، وفرسان آخرون بأسماء لم يحفظها فارد بعد.
صرخ غورد: "طارق! أنت مع مجموعتك تتجه شمالاً. مارتن! أنت شرقاً نحو السهل المنخفض. أرتو! أنت جنوباً حيث تلك التلال الصخرية..."
استمر في توزيع الأوامر. بعد أن انتهى، التفت إلى فارد: "سيدي، كل فريق من عشرة فرسان. تسعة فرق، كل منها تتجه في اتجاه مختلف. ليور وفريقه سيغطون الغرب."
"ممتاز. اجعلهم لا يبتعدوا أكثر من ساعتين، ويعودوا عند الغروب مهما كانت النتيجة."
انطلقت المجموعات الواحدة تلو الأخرى. صهل الخيول وضجيج الحوافر امتد في كل الاتجاهات، حتى اختفت آخر مجموعة خلف الكثبان الرملية. بقي فقط غورد وحوالي خمسة فرسان لحماية فارد والعبيد.
"غورد، أنت باقٍ معي."
ابتسم غورد ابتسامة عريضة: "سيدي، أنا أكبر من أن أركض خلف الغزلان. سأحمي ظهرك هنا."
---
مرت ساعات. بدأ الجنود والعبيد ينصبون خيماً مؤقتة، ويجمعون الحطب الجاف من حولهم. كان الجو هادئاً، والنسيم البارد من الجبل يخفف من حرارة الشمس المتوسطة. كان فارد يتجول بين العبيد، يسألهم عن أحوالهم، ويشجعهم بكلمات بسيطة.
"لا تخافوا، هذه الأرض ستصبح وطناً لنا يوماً ما."
كان بعضهم ينظر إليه بخوف وارتياب، لكن آخرين بدأوا يبتسمون قليلاً، وكأن كلماته تزرع شيئاً في صدورهم.
بعد ثلاث ساعات تقريباً، رأوا غباراً في الأفق. كان موروس عائداً.
ركض حصانه متعباً، لكن موروس نفسه كان منتصباً على سرجه، وعيناه تلمعان بحماس.
وقف فارد وغورد بجانب الخيمة المؤقتة، وانتظرا حتى اقترب.
نزل موروس من حصانه، انحنى قليلاً، وقال بصوت متقطع من التعب لكنه واضح:
"سيدي... حسب تقديري بعد استكشاف مساحة تقارب عشرة كيلومترات مربعة... هذه أنسب منطقة للاستقرار."
توقف ليلتقط أنفاسه.
"المياه موجودة على عمق قريب. أقرب مصدر يبعد حوالي 700 إلى 900 متر إلى الجنوب الغربي. التربة هناك طينية صلبة، مناسبة للبناء. هناك أيضاً أرض خصبة قريبة من مجرى نهر موسمي جاف حالياً، لكنه يمتلئ في الربيع. والجبال تحمينا من الرياح الشمالية."
ابتسم فارد ابتسامة عريضة. تمتم في نفسه: "أنت رائعة يا قراند بلو."
ثم رفع رأسه ونظر إلى موروس وقال بصوت عالٍ: "أحسنت يا موروس. عمل رائع. سأكافئك لاحقاً، كما وعدتك."
انحنى موروس بتواضع، وذهب ليربط حصانه.
بعد دقائق، بدأت فرق الصيد تعود الواحدة تلو الأخرى.
أول فريق كان بقيادة طارق. كانوا يحملون ثلاثة غزلان برية على ظهور خيولهم، دماً يقطر من جراح الرماح. نزل طارق من حصانه وهو يبتسم كطفل.
"سيدي، صيد وفير في الشمال! هناك قطيع كامل هناك، سنصطاده كله لو أردنا."
صفق فارد بيديه: "ممتاز! أول وجبة لنا في أرض جديدة، من نصيب موروس وطارق. موروس لأنه اجتهد في اكتشاف الأرض، وطارق لأنه أول من أوصل الطعام إلينا."
نظر طارق إلى موروس وابتسم، وربت على كتفه.
ثم جاءت الفرق الأخرى تباعاً. مارتن وأتباعه عادوا بحمل من الطيور البرية، وفريق آخر عاد بستة أرانب كبيرة. كل فريق كان يحمل شيئاً، والأرض بدأت تمتلئ بالطرائد.
لكن آخر فريق عاد كان بقيادة أرتو. كانوا متأخرين، وعندما ظهروا من خلف التلال الجنوبية، رأى فارد شيئاً خطأ.
كانوا يمشون ببطء، ورجلان يسندان فارساً ثالثاً. هذا الفارس كان يضع يده على كتفه، والأصابع تتحول إلى اللون الأحمر الداكن.
تسارع فارد وغورد نحوهم. عندما اقتربوا، رأوا الجروح. اثنين من الفرسان كانوا
مصابين، واحد منهم ينزف بشدة من جرح عميق في ساعده، وآخر كان يسحب ساقه خلفه وكأنها لا تطيعه،
صاح فارد: "ماذا حدث؟!"