نظر فارد إلى الشاب الذي سأله، ذلك الفارس الصغير بعينيه الخجولتين ووجهه الناعم الذي لم تعرفه رياح المعارك بعد. ابتسم ابتسامة خفيفة، وترك الصمت يملأ لحظة بينه وبين ليور، ثم قال بصوت هادئ لكنه واضح:

"سؤالك وجيه يا ليور. وجيه جداً."

نهض فارد من على الأرض، ورفع يده ليُشير إلى الأفق المظلم خلف التلال البعيدة. واصل حديثه وهو ينظر إلى حيث يختلط الظلام بالجبال البعيدة:

"سنعيد بناء وطننا هنا. وطن جديد، ليس لنا فقط، بل لكل من تخلى عنه أهله، لكل من نُفي إلى هذه البراري لأنهم قالوا كلمة لا تعجب الملك، أو لأنهم ولدوا في العائلة الخطأ."

توقف للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.

"لكن هذه المنطقة التي نقف عليها الآن، هذه السهول الجرداء، ليست جيدة لبناء مدينة أو بلدة بعد. التربة هنا سطحية، المياه بعيدة، والرياح تأتي من كل اتجاه بلا حاجز طبيعي. سنحتاج إلى مكان أفضل."

وقف ليور متلعثماً، كأنه يريد أن يقول شيئاً لكنه يخاف أن يبدو وقحاً مرة أخرى. نظر إلى غورد الذي كان يقف خلف فارد بعينين حادتين، ثم التفت إلى فارد وقال بصوت خجول:

"سيدي... سامحني على جرأتي... لكنني أردت أن أقول لك شيئاً."

أشار فارد بيده: "قل ما في نفسك، لا تخف."

تنفس ليور بعمق وكأنه يستجمع شجاعته: "سيدي، والدي خدم والدك لأكثر من عشرين عاماً. كان يحكي لي عن الإيرل كانيس، عن عدله وكرمه. وأنا... أنا أعلم أن والدك أخطأ بدعمه للأمير الخطأ. لكنني أتمنى... أتمنى أن تكون رحيماً بنا، مثلما كان والدك رحيماً مع الجنود. ليس كلنا اخترنا هذا المصير. بعضنا جاء لأنه لم يكن لديه خيار آخر."

نظر فارد إلى ليور. كانت كلماته بسيطة لكنها حملت ثقلاً أكبر من عمره. ربما هذا الفتى كان أكثر وعياً مما بدا عليه. ربما كان يعبر عن كل الجالسين حول النار، الذين فقدوا كل شيء وجاءوا إلى هنا بأمل واحد: أن يبقوا على قيد الحياة.

وضع فارد يده على كتف ليور وقال:

"لا أعرف إن كنت سأكون رحيماً مثل والدي. لا أعرف إن كنت سأكون عادلاً مثلما يحكون عن الإيرل كانيس. لكنني أعدك بشيء واحد: سأبذل كل ما في وسعي لأعطيكم حياة أفضل من التي تركتموها وراءكم. لا أعدك بالجنة، لكني أعدك بأنني لن أنام مرتاحاً وأحدكم جائع أو خائف."

ابتسم ليور ابتسامة خجولة، وكأن الكلمات لمست شيئاً في داخله. قال بصوت مبحوح: "شكراً لك سيدي."

صفق فارد بيديه ونادى على الجميع: "حسناً يا رفاق، كفى حديثاً. الليل طويل وغداً يوم جديد. ناموا، استريحوا، فغداً سنبدأ."

عاد الجنود والعبيد إلى نيرانهم، وبدأ الصمت يعم المخيم تدريجياً. كانت أصوات الخيول هي الوحيدة التي تسمع مع دقات النار.

جلس فارد وحيداً على حافة التلة الصخرية، بعيداً عن الجميع. لف عباءته حول كتفيه ورفع عينيه إلى السماء المليئة بالنجوم. كانت مختلفة، هذه النجوم. لم تكن مثل نجوم عالمه القديم. هنا، كانت النجوم تبدو أقرب، وكأنها تتنفس مع الريح.

أغمض عينيه وهمس بصوت لا يكاد يُسمع:

"قراند بلو."

لم يحدث شيء في البداية. ثم، فجأة، شعر بوميض خفيف في مؤخرة رأسه، كأنما شعلة صغيرة اشتعلت هناك. بدأ يتشكل في عقله لوحة شفافة من الأرقام والحروف والرسومات البيانية. كان الأمر غريباً ومخيفاً في البداية، وكأنه يرى عالماً آخر خلف عينيه.

ظهر صوت في رأسه. لم يكن صوتاً مسموعاً بالأذن، بل كأنه فكرة تولد في ذهنه دون أن يفكر فيها هو:

"دينغ. برنامج قراند بلو قيد التفعيل. ماذا يريد المستخدم فارد كانيس؟"

جلس فارد منتصباً، قلبه يخفق بسرعة. لا يزال هذا الشيء يخيفه، رغم أنه يعرف حقيقته. إنه مجرد برنامج، مجرد أداة، مجرد بقايا من حياة تركها وراءه.

تنفس بعمق وفكر في سؤاله بوضوح:

"حسب تحليلك، ماهي أنسب منطقة لإنشاء معسكر دائم في هذه البراري؟"

توقف البرنامج لثوان، وكأنه يعالج المعلومات. ثم عاد الصوت:

"حسب تحليل المعطيات الحيوية وطبوغرافية الأرض والموارد الطبيعية... هناك تقدير مبدئي بوجود ترسبات جير جبلي عالية الجودة بالقرب من سلسلة جبال كانط. الموقع الأمثل هو الجبل السادس في السلسلة. يُدعى محلياً 'كانط الفضي' بحسب الخرائط المتاحة. يُقدّر وجود مناجم نترات وجير عالية التركيز في قاعدته. يبعد عن موقعك الحالي حوالي 3.6 كيلومترات، ويستغرق الوصول إليه حوالي نصف يوم سيراً على الأقدام، أو أربع ساعات بالقافلة."

أومأ فارد برأسه وكأنه يفكر. ثم تابع:

"ماذا عن المياه؟"

رد البرنامج:

"يوجد ينبوع موسمي على بعد 800 متر من قاعدة الجبل. عمقه سطحي، لكن يمكن تعميقه. المياه جوفية غنية بالمعادن، صالحة للشرب بعد غليان بسيط. التربة المحيطة بالجبل غنية بالطين والفلسبار، مناسبة لصناعة الفخار والطوب."

ابتسم فارد، وفتح عينيه. نظر إلى الجبال البعيدة التي بدت كأسنان سوداء تحت ضوء القمر. سلسلة جبال كانط. الجبل السادس. كانط الفضي.

غمغم بصوت هامس: "إذاً هناك نذهب."

أغمض عينيه ونام أخيراً.

---

في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد بدأت تطل من خلف التلال الشرقية حين استيقظ فارد. كان هناك ضباب خفيف يغطي الأرض، يجعل العشب يبدو كأنه مغطى بالفضة. وقف فارد، مد ظهره المتعب، ونظر حوله.

كان المخيم يستيقظ ببطء. بعض الجنود يشعلون النيران، والعبيد يجهزون مواشيهم وحقائبهم، والخيول تصهل في الخلف. كان غورد واقفاً بجانب عربته، يرتب سرجه بيدين خبيرتين.

مشى فارد نحوه وهو يفرك عينيه من النعاس.

"غورد، غيرنا الخطة."

توقف غورد عن عمله ونظر إلى فارد بعينين ضيقتين، كأنه يحاول قراءة ما في رأسه: "كيف يعني سيدي؟"

"سوف نعسكر في جبل كانط الفضي. الجبل السادس في سلسلة جبال كانط."

ساد صمت للحظة. نظر غورد إلى الجبال البعيدة، ثم عاد لينظر إلى فارد كأنه يسمع هراءً.

"سيدي..." قال غورد بصوت متوتر، "جبل كانط الفضي يبعد عن قبيلة ناب المطرقة بضعة كيلومترات. ربما 15، ربما 20 كيلومتراً فقط. لا نعرف إن كانوا سيرحبون بنا هناك. قد يعتبرونه تدخلاً في أراضيهم. هذا خطر لا داعي له."

لوح فارد بيده وكأنه يطرد ذبابة: "لا تقلق، لدي خطة. نفذ فقط."

نظر غورد إلى فارد لحظة طويلة. أراد أن يقول شيئاً، لكنه ابتلع كلماته، وتنهد تنهيدة ثقيلة:

"نعم... حسناً، سيدي."

بدأت القافلة كلها تتحرك بعد نصف ساعة. 100 فارس، 400 عبد، عائلة الإيرل المتبقية، وعربة فارد في المقدمة. رفع فارد ستارة العربة ونظر إلى الجبال وهي تقترب ببطء.

كانت سلسلة جبال كانط تبدو من بعيد ككتلة واحدة سوداء، لكن مع الاقتراب بدأت تظهر تفاصيلها: قمم حادة، ومنحدرات صخرية تغطيها شجيرات خضراء قاتمة، وأخاديد ضيقة تخترق الجبال كالندوب. الجبل السادس، كانط الفضي، كان مختلفاً قليلاً عن إخوته. كان لونه أفتح، وكأن طبقة من الغبار الفضي تغطي صخوره.

كان الطريق وعِراً، وكثيراً ما كان الجنود ينزلون ليدفعوا العربات من الوحل. كانت الرحلة متعبة للجميع، والخيول تتعب تحت الحرارة التي بدأت ترتفع مع الظهيرة.

في منتصف الطريق، اقترب ليور من العربة على حصانه الصغير، ونظر إلى فارد من نافذة العربة.

"سيدي، هل نحن قريبون؟"

نظر فارد إلى الجبل الذي أصبح الآن أقرب بكثير، وأومأ:

"نعم يا ليور. قريبون جداً."

ابتسم ليور وركض إلى الأمام ليخبر الجنود الآخرين.

مرت أربعون دقيقة أخرى، ثم توقفت القافلة أخيراً عند قاعدة جبل كانط الفضي.

وقف فارد خارج العربة، ونظر إلى المكان بعينيه الحقيقيتين، ليس بعيني البرنامج.

كان الجبل ضخماً، وكأنه عملاق نائم في وسط السهل. صخوره رمادية مائلة للفضي، وكثير من الشقوق تملأ سطحه، وكأن الرياح والأمطار حفرته عبر القرون. عند قاعدته، كانت الأرض أكثر خصوبة، مغطاة بعشب قصير ونباتات صحراوية شوكية تتشبث بالتربة.

كان المكان هادئاً، لا أثر لقبيلة ناب المطرقة هنا، ولا صوت لغير الريح والطيور البعيدة.

التفت فارد إلى غورد، الذي نزل من حصانه وهو ينظر حوله بقلق، وقال:

"غورد، هذه هي. هنا سنبدأ."

ابتسم فارد ابتسامة خفيفة.

2026/09/05 · 0 مشاهدة · 1149 كلمة
نادي الروايات - 2026