اهتزت العربة على الممرات الوعرة، صرير الخشب يمتزج بقرع اقدام الخيول على الأرض الصخرية. سحب فارد الستارة الجلدية المثقلة بالغبار، ونظر إلى المشهد الذي انكشف أمامه. كانت البراري تمتد كبحر من العشب الذهبي، تتماوج تحت رياح الجنوب الدافئة، وتتلألأ تحت أشعة الشمس التي بدأت تميل نحو الغروب. بعيدًا، كانت سلاسل جبلية منخفضة ترسم خطًا أزرق باهتًا على الأفق، وكأنها حواجز طبيعية تفصل هذه الأرض عن بقية العالم المنسي.

أرض جميلة. لكنها ملعونة.

هذا ما كان يهمس به الجميع منذ مغادرتهم قصر الملك في سيريث قبل عشرة أيام. كلما تقدموا جنوبًا، كان الوجهاء يتجهّمون، والفرسان يشيحون بنظراتهم، والعبيد يخفضون رؤوسهم وكأنهم يسيرون نحو حتفهم. حتى الخيول بدت متوترة، تشم الهواء بقلق وكأنها تستشعر شيئًا لا يراه البشر.

طرق فارد برفق على جدار العربة الخشبي. لحظات، ثم ظهر وجه غورد من جانب النافذة الصغيرة، يحوم على صهوة جواده الأسود الضخم. كان الفارس في الأربعين من عمره، وجهه محفور بتجاعيد المعارك والرياح، ولحيته الرمادية القصيرة تخفي ندبة قديمة تمتد من شفته العليا حتى أذنه اليسرى.

"عمي غورد"، قال فارد بصوت هادئ، محاولًا إخفاء لهجة الغريب الذي يعرف أن هذا العالم ليس عالمه، لكنه يتقن دور الابن النبيل المنكوب. "أنا أعلم أن هذه البراري موحشة، لكن لماذا تشعرون بالحزن إلى هذه الدرجة؟ على الأقل، عفا عنا الملك."

ابتسم غورد، لكن الابتسامة كانت مرة، كشخص يحاول تخفيف جرعة السم. قال وهو يحدق في الأفق البعيد: "سيدي، صحيح أن الملك عفا عنا، لكنه نفانا في أسوأ مكان في شبه جزيرة تارج بأكملها. البراري الجنوبية... هي أقصى بقعة في الجنوب، حيث لا تصل قوة السحر أبدًا. هنا، حتى أبسط تعويذة إشعال تصبح مستحيلة. هنا السحر ميت. وهنا الناس... الناس هنا ليسوا بشرًا حقًا، سيدي. إنهم متوحشون، قرود بشرية لا يعرفون لغة ولا دين ولا نظام."

شحب وجه فارد للحظة، لكن ليس من الخوف. بل من الإحباط. منذ أن استيقظ في جسد هذا الشاب النحيل قبل أسبوعين، كان يسمع فقط عن السحر. السحر هو القوة، السحر هو الثروة، السحر هو الدين، السحر هو كل شيء. لكن فارد، الذي كان يعمل في مشروع قراند بلو للذكاء الاصطناعي، كان يعرف حقيقة واحدة أكيدة: السحر مهما كان قوي فهو مجرد استعارة للقوة وهو مجرد قوة فردية، والعلم هو ما يحرك الكون وهو قوة الكل.

لكنه لم يقل هذا بصوت عالٍ. هنا، أي كلمة ضد السحر او الكنيسة المقدسة للنور تعني الموت حرقًا. والمجنون الذي يزعم أن السحر ليس حقيقيًا هو "هرطقي"، ويُصلب في ساحات المدن الكبرى كعبرة للآخرين. فارد كان يعرف هذا جيدًا، لأن روحه السابقة - أي فارد القديم - كانت قد ورثت هذا الخوف من الكنيسة مع دماء النبلاء التي كانت تجري في عروقه.

لم يكن انتقاله إلى هذا العالم سهلاً. كان يتذكر اللحظة بوضوح مؤلم: الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، صفير الإنذار، انفجار المفاعل في مختبر قراند بلو، ثم الظلام. ثم فجأة، وجد نفسه في جسد شاب يرتجف، يبكي بحرقة، بينما رجال يرتدون دروعًا يحملونه على محفة ذهبية، وهم يرددون: "لقد سقط سيدي، سقط!"

كان فارد القديم قد مات من الصدمة والحزن. ابن إيرل كانيس، الذي كان وريثًا لأحد أعرق بيوت النبلاء في سيريث، قد دمر كل شيء بدعمه للأمير الأول في صراع الخلافة الدموي. وعندما صعد الأمير الثاني إلى العرش، كان القصاص سريعًا وقاسيًا. أُعدم الأب، وصودرت الأراضي، وتم الاستيلاء على الثروات. لكن فارد القديم نجا، ليس من باب الرحمة، بل لأن روحه السابقة - تلك الروح التي كان فارد الجديد يعيش فيها الآن - كانت قد أنقذت حياة الأمير الثاني قبل بضع سنوات، عندما هاجمه وحش سحري في رحلة صيد، واندفع الشاب الصغير بينه وبين المخلب المسنن.

لحسن الحظ، تذكر الأمير هذا الجميل. فعفا عنه، لكنه نفاه إلى أقاصي تارج، حيث تموت الأحلام وتضيع الأسماء.

كان فارد يعرف أن إخفاء سر انتقاله هو شرط بقائه. أي شك في أنه ليس فارد الحقيقي سيعني التهمة بالجنون أو الهرطقة، وسيُلقى في زنزانات الكنيسة حيث لا يخرج منها أحد. لذا، تقمص الدور بإتقان: الشاب النبيل الحزين، الذي فقد كل شيء، ويحاول التكيف مع وضعه الجديد.

---

بعد ساعات من السير، تغير المشهد تدريجيًا. اختفت التلال الخضراء، وحل محلها سهول شاسعة، شبه جافة، تتخللها صخور ضخمة تنبت كأسنان من الأرض. بدت القبائل هنا وكأنها مجرد نقاط سوداء صغيرة على الأفق، خيام متناثرة ودخان خافت يتصاعد من نيران متفرقة. لكن لحسن حظ فارد، كانت المنطقة التي خُصصت لنفيه خالية تقريبًا من أي حضور قبلي كبير.

اقترب غورد من العربة وقال بصوت خفيض: "سيدي، المنطقة التي سنستقر فيها لا توجد بها قبائل كبرى. أكبرها قبيلة تدعى 'ناب المطرقة'، وعدد أفرادها لا يتجاوز الألف. فرساننا المئة المدربون يمكنهم قمعها بسهولة إذا لزم الأمر."

أومأ فارد برأسه، وهو يتأمل المشهد. لم يكن يريد قمع أحد. كان يريد بناء شيء من لا شيء.

---

حل الليل. توقف الموكب على حافة وادٍ ضحل تحيط به تلال صخرية، توفر حماية طبيعية من الرياح القوية. نزل الجنود من خيولهم، ونصبت الخيام، وأشعلت النيران. كان العبيد - أربعمئة رجل وامرأة وطفل - يتجمعون في مجموعات صغيرة على حافة المخيم، ينظرون بخوف إلى الفرسان المسلحين.

خرج فارد من العربة. كان يرتدي ملابس سفر بسيطة - قميص من كتان خشن وسروال جلدي وأحذية عالية - لكن على معصمه الأيمن كان يرتدي سوارًا حديديًا بسيطًا كان ملكًا لوالده. مد يده ورفع سواره.

توقف الجنود عن حديثهم ونظروا إليه باستغراب. لقد عاشوا أسابيع مع هذا النبيل الخائف الصامت. لكن الآن، كان هناك شيء مختلف في عينيه.

ضحك فارد، وهو ينزل من على عتبة العربة بخطوة ثابتة. قال بصوت واضح، رغم أن قلبه كان يخفق بشدة: "يا شباب، أنا لم أعد ابن إيرل قوي. مجرد شخص عادي مثلكم. لذا، لا تعاملوني كسيد يجب أن يُبعد عن النار."

نظر غورد إليه بارتباك، ثم تقدم وقال: "سيدي، حتى لو لم تعد تحمل لقبًا، فأنت نبيل بالدماء. الدم الأزرق لا يمحى بمجرد تغيير الإقامة. لا يمكنك الجلوس مع العوام."

ابتسم فارد وقال: "ولم لا؟ إنهم فرساني! كيف لا أشاركهم ليلتهم؟"

قبل أن يستطيع غورد الاعتراض، مشى فارد بين النيران المخيمية، حتى وصل إلى واحدة من أكبر النيران، حيث كان يجلس حوالي اكثر من عشرة فرسان شبان حولها، ينظرون إليه بدهشة. جلس مباشرة على الأرض، بين غبار التراب والأعشاب اليابسة، متكئًا على يده قليلاً، ونظر إلى وجوههم المتعبة.

رفع صوته قليلاً، حتى يسمعه جميع من حوله: "أعرف ما مررتم به. أعرف ما ورطكم به أبي. ولا ألومكم لو شعرتم بالغضب أو الخيانة. لكنني لن أتحمل هذه الحالة طويلاً. من منكم يريد العودة إلى سيريث، فله الحق في العودة... خاصة العبيد."

كانت تلك حقيقة قاسية يعرفها الجميع. العبيد، حتى لو كانوا أحرارًا، لا يستطيعون قطع المسافة الشاسعة بين البراري وعواصم الاقاليم دون طعام أو مال أو حماية. سيموتون في الطريق. أما الجنود، فاسماؤهم مسجلة في قوائم الملك كعارضين، ولن يرحب بهم أحد في سيريث إلا بالسيف.

لكن فارد لم يقل ذلك. ترك الكلمات تطفو في الهواء، كدعوة مفتوحة، ليقرأ كل رجل بين السطور ما يشاء.

ثم بدأ يتجول بين النيران، جالسًا مع كل مجموعة لبعض الوقت، يستمع إلى قصصهم: حكاياتهم عن بيوتهم التي تركوا وراءهم، عن زوجاتهم وأطفالهم الذين لم يستطيعوا إحضارهم معهم، عن معاركهم البطولية في جيوش الإيرل. أسماء مثل "جور" و"ميلو" و"سانج" بدأت تظهر في محادثاته، وأصبح لكل وجه قصة.

غورد وقف بعيدًا، ذراعاه متقاطعتان على صدره، ينظر إلى المشهد بحيرة ممزوجة بانزعاج. لكنه لم يتدخل.

في النهاية، توقف فارد عند نار صغيرة حيث كان يجلس أصغر فرسانهم. لم يكن يزيد عن عشرين ربيعًا، وجهه ناعم ولحيته خفيفة، وعيناه تنظران إلى فارد بفضول لا يخلو من خوف. كان اسمه ليور.

رفع ليور صوته الخجول وسأل، بصوت أقرب إلى الهمس والخوف : "سيدي... ماذا سنفعل الآن؟"

انتفض غورد من مكانه وزأر: "أيها الفارس المتغطرس! أتجرؤ على التحدث إلى سيدك بهذه الطريقة، وكأنكما على قدم المساواة؟!"

مد فارد يده ورفعها بلطف، بادرة هدوء: "يا غورد... مهلاً."

ثم التفت إلى ليور، وعيناه تلمعان تحت ضوء النار المتأرجح. ابتسم ابتسامة غامضة، ثم قال بصوت جهوري، يمكن أن يُسمع عبر المخيم بأكمله:

"سؤالك وجيه يا ليور. وجيه جدًا."

ثم أطفأ البسمة، ونظر إلى النار المشتعلة، وكأنه يرى فيها شيئًا لا يراه الآخرون.

تركت الكلمات تطفو في الهواء، كدعوة للغد، وكوعد لم يعلن بعد.

.........

وش رايكم بالبداية

2026/09/05 · 2 مشاهدة · 1275 كلمة
نادي الروايات - 2026