كانت تلك الزهرة...
سبب مجيئي إلى هنا.
سبب كل ما عشته من معاناة، وكل المخاطر التي واجهتها منذ أن وطأت قدماي أراضي السوين.
والآن...
كانت أمامي.
لم أستطع الانتظار أكثر.
بسرعة، قطفت الزهرة بحذر.
حدقت بها بين يدي.
كانت أجمل مما تخيلت.
ابتسمت بسعادة لم أستطع إخفاءها.
"أخيرًا..."
وضعت الزهرة بعناية في جيبي، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
شعرت وكأن حملًا ثقيلاً أُزيل عن كتفي.
كل تلك المعاناة...
لم تذهب سدى.
لقد حصلت عليها.
أخذت أمشي بين الحقل الكبير الممتد أمامي.
كانت الأزهار منتشرة في كل مكان.
بيضاء، زرقاء، بنفسجية...
والقمر في السماء يعكس ضوءه فوقها، فيجعلها تبدو وكأنها تلمع تحت بحر من الفضة.
توقفت للحظة.
كان المشهد خلابًا.
هادئًا...
وجميلًا بطريقة جعلتني أنسى كل شيء.
القلق.
الخوف.
ولي العهد.
عائلتي.
حتى مسألة والدي التي لم أجد لها جوابًا.
كل شيء اختفى من رأسي للحظات.
ثم تذكرت شيئًا.
أغنية.
أغنية كنت أغنيها في حياتي السابقة.
أنا وأخي...
كنا نغنيها معًا دائمًا.
حتى عندما كان أخي مستلقيًا في سرير المستشفى، كنا نغنيها.
كانت تلك الأغنية مرتبطة بذكريات كثيرة بالنسبة لي.
ابتسمت بحزن خفيف.
"من كان يتوقع أن أتذكرها هنا؟"
كانت الرياح تهب بقوة، وكنت أرتدي ملابس النوم فقط، وفوقها قطعة قماش وضعتها حول جسدي لأتدفأ.
لكن الجو كان جميلًا للغاية.
لدرجة أنني لم أشعر بالبرد.
بدأت أتمتم بكلمات الأغنية بهدوء.
صوتي كان خافتًا في البداية.
ثم شيئًا فشيئًا...
بدأت أغني.
لم يكن هناك أحد في الحديقة.
لذلك لم أهتم.
تحرك جسدي بشكل طبيعي مع الإيقاع.
حركات بسيطة في البداية...
ثم بدأت أرقص بخفة بين الزهور.
ضحكت.
كان شعورًا غريبًا.
منذ أن تجسدت في هذا العالم، لم أشعر بهذه الحرية منذ وقت طويل.
هنا...
لم يكن عليّ أن أكون دوقة.
ولا ابنة عائلة نبيلة.
ولا فتاة تحاول تغيير مصيرها.
كنت فقط...
أنا.
فلورينا.
الفتاة التي تحب الغناء والرقص.
استمرت الأغنية.
ومع كل حركة، عادت ذكريات حياتي السابقة.
ذكريات أخي.
ذكريات المستشفى.
ضحكنا.
الأيام التي كنا نظن أنها ستستمر إلى الأبد.
ابتسمت دون أن أشعر.
ثم بدأت أرقص بحرية أكبر قليلًا.
وبما أنني كنت أتعامل مع نفسي كإيدول في حياتي السابقة، كانت لدي عادة غريبة.
عندما أنتهي من أي رقصة...
أرسل قبلة في الهواء.
كانت حركة اعتدت فعلها دائمًا.
وعندما وصلت إلى نهاية الأغنية...
توقفت.
درت إلى الخلف.
رفعت يدي.
ثم أرسلت قبلة في الهواء.
وأغمضت إحدى عينيّ كعادتي.
لكن...
تجمدت.
ابتسامتي اختفت.
يدي بقيت مرفوعة في الهواء.
لأن الشخص الذي كان يقف أمامي...
لم يكن الهواء.
كان أرسيان.
كان يقف خلفي.
ويراقبني.
اتسعت عيناي.
وهو أيضًا بدا وكأنه لم يعرف ماذا يفعل.
ساد الصمت.
صمت طويل جدًا.
نظرت إليه.
ثم نظرت إلى يدي.
ثم إليه مرة أخرى.
لا.
لا لا لا لا.
من بين كل الناس... هو؟!
شعرت بحرارة وجهي ترتفع بسرعة.
أما أرسيان...
فكان يبدو محرجًا هو الآخر.
لكنه لم يستطع إخفاء نظرة الدهشة في عينيه.
كان واضحًا أنه لم يتوقع رؤيتي هكذا.
ولا أنا توقعت أن يراني أحد أصلًا!
تلعثمت.
"أنت..."
لكنه لم يجب.
فقط ظل ينظر إليّ.
وهذا جعل الأمر أسوأ.
صرخت في داخلي:
يا إلهي! لقد أرسلت له قبلة!
من شدة الإحراج...
استدرت وبدأت أركض.
"انتظري!"
لم ألتفت.
"أميرة، انتظري!"
لكنني واصلت الركض.
كان الإحراج أكبر من أن أتحمله.
لماذا كان يجب أن يكون هنا؟!
ولماذا فعلت تلك الحركة في تلك اللحظة بالذات؟!
كنت أركض بسرعة بين الأزهار، ولم أنتبه إلى الطريق أمامي.
حتى...
اصطدمت قدمي بصخرة صغيرة.
"آه!"
اختل توازني.
كنت على وشك السقوط على الأرض، لكن ذراعًا أمسكت بخصري بسرعة.
توقفت أنفاسي.
كان أرسيان.
كان قد لحق بي.
نظر إليّ بقلق.
"أميرة!"
لم أجب.
كنت مشغولة بشيء آخر.
فقد كان يمسكني من خصري، ووجهي كان قريبًا منه جدًا.
رفعت عيني نحوه.
وتحت ضوء القمر...
بدا أرسيان مختلفًا.
كان شعره يتحرك مع الرياح، وملامحه هادئة، وضوء القمر ينعكس على وجهه.
للحظة...
نسيت تمامًا أنني كنت أهرب منه قبل ثوانٍ.
لكنني سرعان ما تذكرت السبب.
احمر وجهي مجددًا.
ابتعدت قليلًا وقلت بسرعة:
"أنا آسفة!"
رفع حاجبه.
"على ماذا؟"
"أنا..."
ترددت.
"لم أقصد أن أعطيك قبلة."
ساد الصمت.
نظر إليّ أرسيان.
ثم بدا الإحراج واضحًا على وجهه.
لكنه لم يتركني بعد.
وفي تلك اللحظة، لاحظ شيئًا آخر.
نظر إلى قدمي.
"لحظة."
تغيرت ملامحه.
"قدميك..."
نظرت إلى قدمي باستغراب.
"ماذا بها؟"
"لقد جرحتِها."
نظرت إلى المكان.
كانت قدمي تؤلمني فعلًا، لكنني لم أنتبه بسبب الإحراج.
"أوه..."
حاولت الوقوف.
لكن الألم جعلني أتراجع.
قبل أن أقول شيئًا...
انحنى أرسيان قليلًا.
ثم حملني.
اتسعت عيناي.
"ماذا تفعل؟!"
"لا تتحركي."
"لكنني أستطيع المشي!"
"واضح جدًا."
قالها بهدوء جعلني أشعر بالإحراج أكثر.
حملني بين ذراعيه، وسار بي وسط حقل الزهور.
كنت قريبة منه بشكل لم أعتد عليه.
ولم أكن أعرف أين أنظر.
إلى وجهه؟
إلى الأرض؟
إلى القمر؟
أي شيء أفضل من النظر إليه!
وصل إلى كرسي خشبي صغير كان موضوعًا بين الزهور.
أنزلني عليه برفق.
ثم قال:
"اجلسي."
جلست وأنا أحاول إخفاء إحراجي.
ثم وقفت نظراته على قدمي مرة أخرى.
قلت بسرعة:
"حقًا، لا تقلق. إنها مجرد خدشة."
نظر إليّ.
"لا."
ثم أضاف بهدوء:
"أنا من يجب أن يعتذر."
نظرت إليه باستغراب.
"أنت؟ لماذا؟"
جلس أمامي قليلًا، ثم قال:
"لأنني كنت أراقبك."
احمر وجهه قليلًا.
"وأنت تغنين."
صمتُّ.
ثم ابتسمت.
"إذن نحن متعادلان."
رفع عينيه نحوي.
"كيف؟"
"أنت رأيتني وأنا أغني وأرقص..."
توقفت للحظة.
ثم قلت:
"وأنا أعطيتك قبلة عن طريق الخطأ."
اتسعت عيناه قليلًا.
ثم أشاح بنظره.
ابتسمت.
"نحن متعادلان."
لم يقل شيئًا.
لكنني رأيت ابتسامة صغيرة تظهر على وجهه.
ثم عاد ينظر إلى قدمي.
"هل تؤلمك؟"
هززت رأسي بسرعة.
"لا، لا تقلق. أنا بخير."
نظر إليّ بنظرة لم أقتنع بها.
"حقًا؟"
"نعم."
"مع ذلك..."
رفع يده.
بدأت طاقة سحرية مظلمة تتجمع حول أصابعه.
توقفت وأنا أراقبه.
كان سحر الظلام يحيط بقدمي بهدوء.
شعرت بالدفء ينتشر في المكان الذي أصابته الصخرة.
وبعد لحظات...
اختفى الألم تمامًا.
أنزل أرسيان يده.
"الآن؟"
حركت قدمي قليلًا.
لم أشعر بأي ألم.
ابتسمت.
"لقد شُفيت."
"جيد."
ثم جلس بجانبي.
ساد الصمت.
لم يكن صمتًا مزعجًا هذه المرة.
كانت الرياح تتحرك بين الأشجار.
والزهور تتمايل تحت ضوء القمر.
نظرت إلى الحقل أمامي.
ثم نظرت إلى الزهرة التي وضعتها في جيبي.
ابتسمت.
لقد جئت إلى هنا من أجلها.
ووجدتها.
لكنني لم أتوقع أن تكون هذه الليلة...
أكثر ليلة محرجة في حياتي.
نظرت إلى أرسيان من طرف عيني.
كان ينظر إلى السماء.
ثم شعرت فجأة أنني ربما...
لم أعد أكره فكرة أن يراني هكذا.
لكنني سرعان ما هززت رأسي.
فلورينا، توقفي عن التفكير!
عدت أنظر إلى القمر.
ولم أكن أعلم...
أن هذه الليلة الهادئة بين الزهور ستصبح واحدة من الذكريات التي لن أنساها أبدًا.
جلست على الكرسي بين الأزهار، بينما جلس أرسيان بجانبي.
ساد الصمت للحظات.
كنت أحدق في الزهور أمامي، محاوِلةً تجاهل حقيقة أنه كان يراقبني وأنا أرقص قبل قليل.
لكنني لم أستطع منع نفسي من السؤال:
"دوق أرسيان..."
"همم؟"
التفت إليه.
"منذ متى وأنت هناك؟"
صمت للحظة.
ثم أجاب بكل هدوء:
"منذ أن بدأتِ بالغناء."
تجمدت.
"منذ البداية؟!"
أومأ.
"نعم."
وضعت يدي على وجهي.
"يا إلهي..."
سمعته يضحك بخفة.
أبعدت يدي ونظرت إليه بغيظ.
"لا تضحك!"
"أنا لا أضحك."
"بل تضحك!"
"قليلًا."
حدقت به.
"وهل رأيتني وأنا أرقص أيضًا؟"
"نعم."
أغمضت عيني بقوة.
"أريد أن تختفي الأرض الآن."
ضحك أرسيان هذه المرة فعلًا.
"لماذا؟"
"لأنني كنت أظن أنني وحدي!"
ثم تمتمت:
"وأنت رأيت كل شيء..."
نظر إليّ أرسيان للحظات، ثم قال:
"كنتِ سعيدة."
توقفت.
"ماذا؟"
"وأنت تغنين."
نظر إلى الحقل أمامنا.
"كنتِ مختلفة."
ابتسمت قليلًا.
"هل هذا شيء سيئ؟"
هز رأسه.
"لا."
ثم نظر إليّ.
"بل كان جميلًا."
شعرت بالحرج.
"أنت..."
أشحت بوجهي بسرعة.
"أحيانًا تقول أشياء غريبة."
ابتسم.
"هل أزعجك ذلك؟"
"لا..."
سكتُّ قليلًا.
ثم أضفت:
"لكن لا تعتد عليها."
"لماذا؟"
"لأنني قد أبدأ بالاعتقاد أنك شخص لطيف."
رفع حاجبه.
"وأنا لست كذلك؟"
نظرت إليه.
"أنت دوق الشمال."
"هذا لا يجيب عن سؤالي."
ضحكت.
"حسنًا... ربما أنت لطيف قليلًا."
"قليلًا فقط؟"
"لا تطمع."
ابتسم.
ثم قال:
"حسنًا."
سكت قليلًا، ثم أضاف:
"لكن لدي سؤال."
"ما هو؟"
"ما تلك الحركة التي فعلتِها في نهاية الأغنية؟"
تجمدت.
"أي حركة؟"
"هذه."
ثم رفع يده وأشار إلى الهواء أمامه بطريقة ساخرة.
"عندما فعلتِ..."
ثم أضاف:
"وأرسلتِ قبلة."
اتسعت عيناي.
"لا تذكرها!"
ضحك.
"لماذا؟"
"لأنها كانت عادة!"
"عادة؟"
أومأت بسرعة.
"نعم."
"إذن تفعلينها دائمًا؟"
"نعم، لكن..."
توقفت.
ثم نظرت إليه.
"لم أكن أعلم أنك خلفي!"
"أعرف."
"إذن لا تحسبها!"
"لم أحسبها."
تنفست براحة.
لكن أرسيان أضاف بهدوء:
"لكنها كانت لطيفة."
تجمدت مرة أخرى.
"أرسيان!"
ضحك.
"ماذا؟ قلت إنها لطيفة فقط."
وضعت يدي على وجهي.
"أشعر أنني لن أستطيع النظر إلى وجهك بعد الآن."
قال فورًا:
"هذا مؤسف."
أنزلت يدي ونظرت إليه باستغراب.
"لماذا؟"
ابتسم.
"لأنني أفضل عندما تنظرين إليّ."
سكتُّ.
شعرت بحرارة وجهي تزداد.
"أنت..."
لم أعرف ماذا أقول.
ابتسم أرسيان وكأنه انتصر.
"ماذا؟"
أشحت بوجهي.
"لا شيء."
ثم تمتمت:
"أعتقد أن إصابتك لم تكن كافية."
رفع حاجبه.
"ماذا تقصدين؟"
"يبدو أنني بحاجة إلى ضربك على رأسك حتى تعود لطبيعتك."
ضحك.
"كنتِ ستفعلين ذلك حقًا؟"
"ربما."
"وأنتِ بهذه القوة؟"
نظرت إليه بثقة.
"بالطبع."
ثم أضفت:
"أنا أقوى مما أبدو."
ابتسم.
"أعرف."
نظرت إليه.
"تعرف؟"
"أنتِ أثبتِّ ذلك مرات كثيرة."
ابتسمت.
ثم نظرت إلى الزهرة التي وضعتها في جيبي.
"على الأقل... انتهى الأمر بشكل جيد."
نظر أرسيان إلى الزهرة.
"هل هذه هي الزهرة التي كنتِ تبحثين عنها؟"
أومأت بسعادة.
"نعم."
ابتسم.
"إذن يبدو أن رحلتنا إلى هنا لم تكن بلا فائدة."
نظرت إليه.
"صحيح."
ثم قلت بابتسامة:
"لكنني ما زلت غاضبة منك."
"بسبب القبلة؟"
"بسبب أنك رأيتني أرقص!"
ضحك.
"حسنًا."
ثم وقف ومد يده نحوي.
"سأعتبر أنني لم أرَ شيئًا."
نظرت إلى يده.
ثم إليه.
"حقًا؟"
أومأ.
"حقًا."
أمسكت يده ونهضت.
لكن قبل أن أبتعد، قال:
"لكن لدي طلب واحد."
نظرت إليه بحذر.
"ما هو؟"
ابتسم.
"في المرة القادمة..."
توقف قليلًا.
"أخبريني قبل أن تبدأي بالرقص."
حدقت به.
"ولماذا؟"
"حتى لا أُفاجأ."
ثم ابتسم وأضاف:
"أو ربما حتى أجد مكانًا مناسبًا للمشاهدة."
اتسعت عيناي.
"دوق أرسيان!"
ضحك وهو يبتعد.
ركضت خلفه غاضبة:
"انتظر! سأريك مكان المشاهدة!"
ولأول مرة منذ وصولنا إلى أراضي السوين...
لم أفكر في الأسرار، ولا في ولي العهد، ولا في عائلتي.
فقط...
ضحكت.
نهاية الفصل هذا اطول فصل كتبته شنو رايكم